تسجيل الدخول
اسم المستخدم

كلمة السر



لست عضواً حتى الآن؟
تفضل بالضغط هنا للتسجيل.

نسيت أو فقدت كلمة السر؟
اطلب كلمة سر جديدة هنا.
أمثال و أقوال
مَّا عَلَى الرَّسُوِل إِلاَّ البَلاَغُ
آخر الصور
الاشتراك بالموقع
اكتب اسمك و بريدك الالكتروني لتتلقى جديد موقعنا:

الاسم

البريد الالكتروني

الرسائل القصيرة
يجب تسجيل الدخول لتتمكن من نشر مشاركة

محب آل محمد
19-11-2008
سلام من الله العظيم على اعضاء هذا المنتدى الكريم ورحمة الله والبركات على الزائرين والزائرات

باسل حسن
19-11-2008
أخي الغالي كلامك صحيح ١٠٠
42; وأعتذر جداً عن سوء التفاهم.. وكلامك لم يخرج أبداً عن دائرة المنطق والاحترام.. أعتذر مجدداً وتقبل تحياتي


باسل حسن
19-11-2008
أخي الغالي طالب.. أنا متسرع وأشرت لنفسي بأني متسرع بأكثر من مكان.. وأعرف أنك فهمت الموضوع تماماً ولذلك عقبت بأنك فهمت ولم يعجبك العنوان..

محمد عزيز سرور
19-11-2008
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته إخوتنا الكرام 0 وفقكم الله 00

adam01
19-11-2008
حول تفضل على كاسة متة

أرشيف الرسائل القصيرة
زيارات الموقع
مجموع الزيارات: 813710
عرض الموضوع
موقع و منتديات ذو الفقار | منتديات عامة | المنتدى العام
الكاتب طاعون القرن العشرين ومابعد
astqsa
عضو

المشاركات: 156
الاشتراك: 17.04.08
نشر في 23-06-2008 15:47
طاعون القرن العشرين
يشغل الإرهاب واحدة من المراتب الأولى بين الجرائم التي تستنكرها القوانين والرأي العام والأخلاقيات الإنسانية بأشد حزم وصرامة. و بالفعل، فهل هناك ما هو أكثر بشاعة وهمجية من قتل الناس العزل، من الفتك بالأبرياء، من الأحزان والآلام والمصائب التي يُجير السكان الآمنون على معاناتهـا؟ وهل هناك ما هو أشنع من محاولات بلوغ الأهداف بالإكراه والترهيب والتهديد باستخدام القوة؟
لذلك يجمع العالم على استنكار الهجمات المسلحة، واختطاف الناس ثم قتلهم، وعمليات احتجاز الرهائن وغيرها من أعمال القرصنة التي يقوم بها إرهابيون منفردون أو جماعات إرهابية سرية. و لعل الكثيرين لم ينسوا بعد أعمال الإرهابيين الإجرامية مثل التفجيرات في القطارات والمحطات، اختطاف الطائرات المدنية والمناوشات بالرصاص في المطارات.
إن النشاط الاستفزازي الذي تقوم به المنظمات المتطرفة والإرهابية على الصعيد الدولي يزداد بشكل محموم في الفترة الأخيرة. وتلجأ الدول الإمبريالية أكثر فأكثر إلى الاستفادة من خدمات الاستفزازيين الإرهابيين لتبرير مغامراتها العدوانية ضد الشعوب الأخرى ونشر الإرهاب السياسي الخارجي على صعيد سياسة الدولة، كما تضع الجرائم التي تقوم هي نفسها بتدبيرها وحياكة تفاصيلها في قالب الإرهاب السياسي. و في الوقت الحاضر يمكن أن تتحول جرائم المتطرفين السياسيين إلى وسيلة لأخطر الاستفزازات ضد الشعوب، بل يمكن في ظروف معينة أن تهدد السلام العالمي بالخطر. ومن جراء الأعمال التي تقوم بها القوى الرجعية المتطرفة على الصعيد العالمي يزداد توتر الوضع الدولي إلى حد قد تكفي فيه شرارة استفزاز واحدة ليحدث ما يستحيل إصلاحه. وتد ل الخبرة التاريخية على أن مثل هذه الشرارة يمكن أن تنجم عن الأعمال المغامرة التي يقوم بها المتطرفون السياسيون.
غير أن هناك نوعاً آخر من الإرهاب لا يقل بشاعة وشناعة وهو أكثر فظاظة وخطراً ـ أنه إرهاب الدولة. والحديث يدور هنا عن الحالات التي يكون فيها بمثابة قاطع طريق على الصعيد الدولي لا إرهابي وحيد مسلح بقنبلة من صنعه أو بمسدس بل دولة بأكملها تعتمد على مقدرة عسكرية، وأحياناً نووية، جبارة ولها شبكات متشعبة من الدوائر السرية وآلية ضخمة للإكراه والبطش والتنكيل.
ويمكن أن تتخذ عمليات إرهاب الدولة مختلف الأشكال، ولا يندر أن يحاول مديروها تبرير تصرفاتهم بادعاءات حول الدفاع عن "المصالح الحيوية" وبنظريات "النزعة الكونية الجديدة" ويستخدمون لأجل التغطية على تصرفاتهم كثيراً من المرتزقة والصنائع الذين يعتبرونهم "مناضلين في سبيل الحرية". إلا أننا نواجه تطاولاً على القانون والأخلاق وتصديراً للإرهاب الذي يستخدم كأداة للعدوان والضغط والترهيب سواء في اغتيال رجال الدولة التقدميين أو عمليات التدخل الواسعة ضد الدولة المستقلة أو زرع الموانئ الأجنبية بالألغام أو إرسال المخبرين.
ويواجه المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة هذا النوع بالذات من الإرهابيين الذين يحولون الجريمة إلى سياسة للدولة، كما يحولون القوة إلى أداة أساسية للتعامل الدولي.
إن كلمة الإرهاب اليوم لا تخلو منها في الواقع الصحافة العالمية، وهي تدوي دوماً في الأثير، وتلفظ شاشات التلفزة يومياً مشاهد الكوابيس الدموية. وفي أوروبا "الهادئة"، وفي اليابان البعيدة، في أفريقيا الحارة وفي أميركا اللاتينية توحي وسائل الإعلام للناس بأن ظل الإرهاب الفظيع يخيم على كل مكان.
و"العالم الحر" كله حسب تصريحات الساسة في البلدان الغربية يعيش يومياً في فزع ورعب بسبب الإرهاب المنطلق، كما يزعمون، من( ليبيا وسورية وإيران)، والموجه حسب زعمهم ويقوم به إرهابيون سريون خاضعون لإرادة واحدة شريرة. ويصورون الإرهاب تارة كوباء الطاعون وتارة كشكل جديد وليد القرن العشرين للنزعات الدولية يغدو (الغرب) فيه ضحية بريئة للعنف السياسي.



فهل الأمور كذلك حقاً؟
ومن الذي يولد في الواقع هذا العنف ويغرسه بإصرار في العلاقات الدولية؟ فلنعد إلى التاريخ.
إن استخدام القوة في العلاقات الدولية واعتماد الإرهاب كطريقة لبلوغ أهداف السياسة الخارجية من الممارسات الإمبريالية القديمة. فإن أكبر الدول الإمبريالية قامت مراراً وهي تتنافس في الصراع من أجل مناطق النفوذ وموارد الخامات وأسواق التصريف وتسعى إلى قمع نضال الشعوب في سبيل التحرير الوطني والاجتماعي، بمحاولات لإعادة رسم خارطة العالم بالنار والحديد وإخضاع شعوب عديدة وقارات بكاملها ودفع البشرية إلى نزاعات محلية وعالمية دموية. و تستخدم الإمبريالية دوماً في تصريف الأمور على الصعيد العالمي وسائل وأساليب القوة في السياسة الخارجية، ابتداء من شن الحروب الاستعمارية الهمجية وتطبيق "دبلوماسية البوارج" حتى تدبير الانقلابات الحكومية وتنصيب الأنظمة الدموية. وسعت إلى تحويل التعسف الذي تمارسته إلى واحد من أصول الحياة الدولية باستبدال القانون الدولي بقانون الغاب.
إن اعتماد الإكراه والقوة اليوم يشغل أكثر فأكثر مكان الصدارة في السياسة الخارجية للدول الإمبريالية بقدر ما يضيق ميدان هيمنتها في العالم بعد أن كانت في زمن ما (هيمنة واسعة بلا منازع).
وفي ظل استمرار تدهور المواقع الدولية للإمبريالية تشعر الأوساط الحاكمة في الدول الرأسمالية برغبة دائمية شديدة إلى الثأر الاجتماعي وتحاول بكل الوسائل، بما فيها القوة، أن توقف التغيرات التاريخية التي لا تروق لها. ويغدو استخدام العنف السافر آخر وسيلة وآخر حجة تلجأ إليها الإمبريالية في محاولة يائسة لاستعادة مواقعها المفقودة على المسرح الدولي.
إن الخوف من التغيرات الجارية في العالم بلا رجعة يدفع الرجعية العالمية إلى سلوك طريق العدوان والمغامرات السياسية والتعسف اللفظ في معاملة الشعوب والدول المستقلة في مختلف أرجاء العالم. وقد تعرضت للقرصنة والعدوان مراراً مختلف البلدان والشعوب الطامحة إلى تعزيز استقلالها الوطني وإلى التخلص من الأنظمة الاستبدادية والسير في طريق التقدم الاقتصادي والاجتماعي.
وفي الوقت ذاته لا يستطيع زعماء الدول الغربية الكبرى الحاليون أن يتناسوا بأنهم في ظروف العالم المعاصر محرومون من الإمكانيات السابقة لاستخدام قوة السلاح علنا في تطبيق سياسة الإكراه والترهيب والتهديد إزاء الشعوب الأخرى. فإن تناسب القوى الذي تغير في العالم وازدياد جبروت بعض الدول(1) والتوازن العسكري الاستراتيجي الذي بلغته مقابل بلدان( الناتو) كل ذلك يحدد بشكل كبير ميدان التعسف ويجعل حتى أكثر الساسة الغربيين ميلاً إلى العدوان يلجأون إلى المناورة والبحث عن أشكال جديدة أكثر تمويهاً لتطبيق ساسة التوسع والهيمنة. وقد غدا الإرهاب الرسمي واحداً من أشكال تطبيق هذه السياسة الرامية إلى "تعديل" تناسب القوى العالمي لصالح الإمبريالية بدون الدخول في اشتباك مباشر مع بلدان تهدد بنزاع نووي.
وبواسطة الإرهاب في السياسة الخارجية يجري في زمان تصدير الثورة المضادة إلى بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بالدرجة الأولى. إلا أن هذا الشكل من أشكال التدخل المسلح لم يستخدم بالنطاق الذي يستخدم فيه اليوم من حيث الاتساع والوقاحة المنقطعة النظير والاستهانة السافرة بأصول القانون الدولي والأخلاقيات الإنسانية. ولم تكن مهمة تغيير النظام الاجتماسياسي بالعنف في الدول التي اختارت طريق التجديد والتطور التقدمي تشغل مكانة هامة بين أولويات نهج الدول الغربية في السياسة الخارجية مثلما في السنوات الأخيرة.
والمقصود هو الاستراتيجية العالمية الشاملة للرجعية التي تركز أكثر فأكثر على استخدام إخطبوط الإرهاب.
إن بؤر الإرهاب المستعرة في مختلف أرجاء الكرة الأرضية تؤدي إلى مواصلة تأجيج التوتر الدولي وإلى قمع الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان وتهديد السلام وأمن الشعوب.



علي اسمندر
الكاتب RE: طاعون القرن العشرين ومابعد
astqsa
عضو

المشاركات: 156
الاشتراك: 17.04.08
نشر في 23-06-2008 15:49
1ـ "عالم على الطراز الأميركي"
سياسة "الهراوة الكبيرة"
لقد أسهمت الولايات المتحدة بقسط خاص في غرس الممارسات الإ رهابية في العلاقات الدولية. فإن ترسانة السياسة الخارجية لهذه الدول الإمبريالية الكبرى تضم مختلف أشكال الإرهاب الرسمي ـ من الترهيب والتخريب ومحاولات خنق الأنظمة التقدمية بالعقوبات الاقتصادية والحصار الاقتصادي حتى تدبير المؤامرات أو الحملات العسكرية التنكيلية ضدها وتنظيم الانقلابات الحكومية واغتيال الساسة والشخصيات الاجتماعية.
إن جذور سياسة القوة والإرهاب الأميركية الحالية تمتد عميقاً في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. بديهي أن إشكال وطرائق هذه السياسة تغيرت بمر الزمن، لكن أهدافها ظلت كما هي عليه، وهي تتلخص في قمع نضال الشعوب من أجل الحرية والاستقلال والتقدم الاجتماعي وتأمين "المصالح الحيوية" للامبريالية الأميركية. ففي عام / 1895/ قال عضو مجلس الشيوخ (غ. لوج ) وهو يستعرض حصيلة السياسة الأميركية التوسعية أن بلاده سجلت رقماً عالمياً للقرن التاسع عشر في الغزو والاستعمار والتوسع*.
وفي عام 1918 كتب فلاديمير لينين بغضب في "رسالة إلى العمال الأميركان": (أن الشعب الأميركي الذي قدم للعالم نموذج الحرب النووية ضد العبودية الإقطاعية وقع في أحداث عبودية رأسمالية لدى زمرة من أصحاب المليارات ووجد نفسه يلعب دور الجلاد المأجور الذي خنق الفلبين بحجة "تحريرها" في عام 1898 إرضاء للأثرياء السفلة، وهو في عام 1918 يخنق الجمهورية الاشتراكية في روسيا بحجة "حمايتها" من الألمان)**.
وخلال العقود المنصرمة من القرن العشرين ازدادت كثيراً قائمة البلدان والشعوب التي وقعت ضحية لعنف الإمبريالية الأميركية. ونعيد إلى الأذهان الآثار الدموية التي خلفها العسكريون الأميركان خلال السنوات الأخيرة في (كوريا والهند الصينية)، والانقلابات الحكومية في (إيران والكونغو والبرازيل وشيلي)، والعدوان على (كوبا وجمهورية الدومينيكان و غواتيمالا ولبنان).
ومن المستبعد العثور على دولة أخرى توجد فيها رسمياً أرصدة عديدة لممارسة النشاط التخريبي ضد البلدان الأخرى ولتشكيل العصابات التي تنشط في أراضي الغير وتوجد فيها أيضاً دوائر حكومية مختصة مهمتها إجراء الأعمال التخريبية والإرهابية.
وصار من عناصر سياسة الإرهاب الرسمي في الولايات المتحدة الأميركية اغتيال وقتل الساسة ورجالات الدولة في البلدان الأجنبية الذين لا تروق أعمالهم لأسياد البيت الأبيض.وتفيد التحقيقات التي أجراها (الكونغرس الأميركي )رسمياً بأن الدوائر الخاصة في الولايات المتحدة بالذات هي التي ألهمت ونظمت الأعمال الإرهابية التي وقع ضحيتها كثير من المناضلين في سبيل التحرير الوطني في بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
وما من بلد، سوى الولايات المتحدة الأميركية، رفع الإرهاب إلى مثل هذا المستوى الحكومي العالي. فالأوساط الحاكمة في الولايات المتحدة الأميركية إذ تحول الإرهاب إلى جزء لا يتجزأ من نهجها الرسمي في السياسة الخارجية تقتبس مباشرة أساليب وطرائق العمل الأكثر انتشاراً عند نفس الإرهابيين الذين تكافحهم الولايات المتحدة، كما تدعى، على نطاق دولي. فخلال عمليات التدخل العسكري التي لا تعد ولا تحصى للولايات المتحدة الأميركية طوال تاريخها كله لجأ العسكريون الأميركان مراراً إلى الإرهاب الجماعي ضد السكان المدنيين وإلى البطش والفتك بالمشاركين في الحركات الثورية والتقدمية والتحريرية.
ولم تستخدم الولايات المتحدة الأميركية القوة العسكرية في أي مكان من العالم أكثر مما استخدمتها في أميركا اللاتينية. فقد شهد تاريخ هذه القارة عشرات الحالات الكبيرة والصغيرة من التدخل الأميركي المسلح ومن الحروب المعلنة وغير المعلنة التي شنتها الأمبريالية الأميركية. وكانت الحروب غير المعلنة أكثر بكثير طبعاً وكانت آخر حرب معلنة قد شنتها واشنطن في( 1898ـ 1899 ) ضد إسبانيا تحت شعار تحرير كوبا من النير الاستعماري. وأسفرت تلك الحرب عن هزيمة أسبانيا وتحويل كوبا إلى شبه مستعمرة أميركية.
إن سياسة "الهراوة الكبيرة" التي تتسلح بها الولايات المتحدة الأميركية في علاقاتها مع العالم كله، فضلاً عن جيرانها في أميركا اللاتينية, قد تحولت خلال العقود المنصرمة من القرن العشرين إلى حملات عديدة من التدخل المسلح والانقلابات الحكومية والأفعال الإرهابية ضد الأنظمة ورجالات السياسة الذين لا يروقون لواشنطن أو لا يرضخون لها بالقدر الكافي.
وقد يقول البعض أن أساليب القرصنة في ممارسة السياسة الخارجية، شأن القراصنة أنفسهم، صارت في طي الماضي البعيد، ولكن مهلاً، فلنلق نظرة على التاريخ الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية.
اعتباراً من عام 1945 قامت الولايات المتحدة على سبيل المبادرة أو المشاركة, بأغلبية النزاعات الحربية متعمدة في شن العمليات الحربية في مختلف مناطق العالم ـ في حوض البحر الأبيض المتوسط، وفي الشرق الأوسط، في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وأثر انتهاء الحرب العالمية الثانية ارتدت الأمبريالية الأميركية بزة الشرطي العالمي وشرعت بأداء وظائفه.
وإليكم بعض مراحل سياسة التدخل والعدوان الأميركية.
1945ـ 1949 ـ التدخل الأميركي في الصين لمنع انتصار الثورة الشعبية وإبقاء التواجد الأميركي في هذا البلد. شارك فيه/ 113/ ألف عسكري أميركي و/ 600 /طائرة وأكثر من /150 / سفينة حربية .
1946ـ 1949ـ شاركت مجموعة من مشاة البحرية الأميركية والبريطانية بدعم من القوات البحرية وسلاح الجو في قمع الثورة الديمقراطية في( اليونان) و ساعدت على بعث النظام الملكي في البلاد.
1947ـ أخمدت الولايات المتحدة الأميركية الانتفاضة الشعبية في البراغواي.
1948ـ دبرت التدخل في كوستاريكا.
1950ـ بطشت بوحشية بالنضال التحرري لشعب بورتوريكو.
1948ـ 1953ـ قدمت مجموعة من القوات المسلحة الأميركية تعدادها/ 90 /ألفاً الدعم لحكومة (الفليبين) الرجعية في إخماد حركة الثوار في هذا البلد.
1950ـ 1953ـ العدوان الأميركي على (كوريا) شارك في العمليات الحربية حوالي/ 350 ألف/ شخص و/1000/ دبابة و/ 1600 /طائرة وأكثر من/ 300/ سفينة. تميزت عملية القوات الأميركية بالوحشية وطبقت تكتيك "الأرض المحروقة" واستخدمت النابالم والسلاح الجرثومي والكيماوي و العنقودي والفوسفوري على نطاق واسع.
وفي عام 1953 أعيد الشاه إلى عرش إيران بنتيجة انقلاب حكومي دبرته وكالة المخابرات المركزية.( وبعد إيران جاء دور غواتيمالا وتايلاند والكونغو و بناما وجمهورية الدومينيكان) وبلدان أخرى أسقطت الإمبريالية الأميركية فيها بأيدي عملاء وكالة المخابرات المركزية أو مرتزقتها الحكومات الشرعية وصفت الزعماء الذي لا يروقون للولايات المتحدة ونصبت الأنظمة الإرهابية الديكتاتورية.
وفي المراحل المبكرة من التاريخ الأميركي استخدمت نظرية "التجربة الأميركية الشاملة" و"التفرد الأميركي" على نطاق واسع للتغطية على المطامع التوسعية الملموسة تماماً لدى الولايات المتحدة الأميركية من أجل تبرير الحروب غير المعلنة ضد السكان الأصليين في أميركا الشمالية.
ففي عام 1897 أعلن عضو مجلس الشيوخ أ. بيفيريج أن "القانون الأميركي والنظام الأميركي والحضارة الأميركية والعلم الأميركي ترسخت بمتانة على الشواطئ التي لا تزال غارقة في الحروب الدموية وفي ظلمات الجهالة، لكنها ستتحول بمشيئة العناية الإلهية إلى شواطئ رائعة ومنارة"*.
واليوم أيضاً تمارس الولايات المتحدة بنفس حماسة (المبشرين السابقة) خلافاً لأصول القانون الدولي الأساسية وخلافاً للقوانين الأميركية نفسها تدخلاً وقحاً في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. علماً بأنها لا تخفى في السنوات الأخيرة أنها تفعل ذلك لأن الأوضاع الاجتماعية في هذه الدولة أو تلك لا تعجب واشنطن.
وتفيد الحسابات التقريبية التي أجراها معهد بروكينغس (الولايات المتحدة) أنه اعتباراً من/ 1946 وحتى 1975/ استخدمت الولايات المتحدة الأميركية القوة العسكرية وهددت باستخدامها/ 315 /مرة لبلوغ أهدافها في السياسة الخارجية، أي أنها استخدمتها بمعدل مرتان إلى ثلاثة كل شهر. فما ذلك إن لم يكن إرهاباً رسمياً على النطاق الدولي، إرهاباً تزداد إجراميته لكونه ينفذ من قبل دولة رأسمالية كبرى تمتلك قدرة حربية هائلة وجهازاً تخريبياً متشعباً؟
وتمر السنون ويتبدل أسياد البيت الأبيض وتتبدل الذرائع والشعارات والمذاهب التي تمارس الولايات المتحدة في ظلها العنف في السياسة الخارجية في العالم. في السابق كان ذلك يسمى "بإشراك الشعوب المتخلفة في قيم الحضارة"، ثم "صد الخطر الأحمر"، ثم "كبح الشيوعية الملحدة". وبعد ذلك دعت الحاجة إلى "توسيع حدود الحرية" التي توافقت بشكل غريب مع حدود منطقة "المصالح الحيوية" للولايات المتحدة الأميركية. ولكنها مهما كان التفنن الدعائي لواضعي ودعاة سياسة القوة الأميركية فإن تلك السياسة كانت تتوخى هدفاً واحداً. وإن كان مستحيل البلوغ سلفاً، إلا وهو بناء "عالم على طراز الحلم الأميركي". ومن أجل هذا الهدف مارست الولايات المتحدة العنف وداست على حقوق و مصالح الشعوب الأخرى طوال عقود كثيرة. واليوم ، كما كان الحال في الماضي. يخيم خطر فعلى على شعوب مختلفة البلدان، خطر استخدام القوة الإمبريالية من قبل الولايات المتحدة الأميركية.
الشانتاج النووي
كان واضعوا سياسة الإرهاب الرسمي في واشنطن يعتبرون البلدان الاشتراكية دوماً واحداً من الأهداف الأساسية لهذه السياسة. ويكفي أن نعيد إلى الأذهان أن التدخل المسلح ضد السوفييت، كان في الواقع حرب غير معلنة تشنها الولايات المتحدة الأميركية الذي بدأ بعد ثورة أكتوبر / ت1 1917.
و معروف أن الولايات المتحدة شاركت بنشاط في التدخل العسكري ضد روسيا السوفييتية في عام 1918. وبعد عام من ذلك وضعت وزارة الخارجية الأميركية خطة تفصيلية طالبت فيها "بتقسيم روسيا كلها.. إلى مقاطعات طبيعية كبيرة لكل منها حياتها الاقتصادية، بحيث لا تتمتع أية مقاطعة باستقلال يكفي لتكوين دولة قوية". ويستنتج من الخرائط الملحقة بهذه الوثيقة أن الولايات المتحدة كانت تنوي فصل مناطق ( البلطيق وبيلاروسيا وأوكرانيا والقفقاس وآسيا الوسطى عن روسيا السوفييتية).
وعلى أثر انتهاء الحرب العالمية الثانية (في أيلول "سبتمبر" ـ تشرين الثاني "نوفمبر" 1945) تسلحت الولايات المتحدة التي أسكرتها نشوة الاحتكار النووي بمبدأ "الضربة الأولى" أي العدوان الذري المباغت على الاتحاد السوفييتي حليفها في الكفاح ضد الفاشية الهتلرية والعسكرية اليابانية اللتين تم دحرهما تواً. وكانت واشنطن تأمل بأن الاحتكار النووي يوفر للولايات المتحدة فرصة ترهيب الاتحاد السوفييتي بنجاح. أي أن القدرة الاقتصادية والاحتكار النووي هما بالنسبة للولايات المتحدة بمثابة الورقة الرابحة في البوكر، على حد تعبير وزير الدفاع الأميركي ستيمسون. وقال بنفس اللهجة وزير الخارجية الأميركي بيرنس: "بوسع القنبلة أن تهيئ لنا إمكانية فرض شروطنا"*.
لقد بدأ وضع المذهب الجديد بالطبع في سياق تلك الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي جنباً إلى جنب. علماً بأن الحكومة الأميركية، كما جاء في توجيه مجلس الأمن القومي، ترى أن مصلحة الحرب السياسية التي اندلعت تتطلب رسم أهداف إزاء روسيا أكثر تحديداً مما كان ضرورياً إزاء ألمانيا واليابان قبل بدء العمليات الحربية ضدها.
وفي آذار (مارس) 1948 عمم مجلس الأم القومي في مذكرته رقم( 7 )الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية والعسكرية الأميركية: "إن دحر قوات الشيوعية العالمية التي يقودها السوفييت له أهمية حيوية كبرى بالنسبة لأمن الولايات المتحدة. ولا يمكن بلوغ هذا الهدف بالسياسة الدفاعية. ولذا يتعين على الولايات المتحدة أن تضطلع بدور قيادي في تنظيم المتحدة أن تضطلع بدور قيادي في تنظيم الهجوم المضاد العالمي بغية تعبئة وتعزيز قواتنا وقوات العالم غير السوفييتي المناهضة للشيوعية، وكذلك في نسف قدرة القوات الشيوعية"*.
و لم يكن الهدف الذي كان ساسة واشنطن يتوخونه منذ ذلك العصر هو ضد العدوان السوفييتي لمزعوم، بل هو تغيير النظام الاجتماعي في الاتحاد السوفييتي واستبدال القيادة السوفييتية بصنائع للولايات المتحدة.
وجاء في التوجه الآنف الذكر: "توجد الآن عدة كتل روسية مهاجرة قوية وذات شأن. وكل منها يصلح في رأينا بمثابة حكام لروسيا".
و في الواقع لم تكن هذه الأهداف تختلف بشيء عن المخططات الزعماء الفاشيين إزاء الاتحاد السوفيتي (سابقا)، بل وإزاء باقي العالم كله. وهي المخططات التي أحبطها النضال التحرري لشعوب جميع بلدان الائتلاف المعادي للنازية بما فيه الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية. إن المخططات الأميركية لإسقاط الإشتراكية كانت تعول على الضربة الخاطفة الذرية، أي القصف المكثف بالقنابل لأهم المراكز الإدارية والاقتصادية في بلاد السوفييت.
علماً بأن ساسة واشنطن كانوا مدفوعين بالنتائج "الناجحة" من وجهة نظرهم للقصف الذري على هيروشيما وناجازاكي. فقد كتب العسكريون الأميركان في مقالات نشرت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أن "نتائج استخدام السلاح النووي ضد اليابان قد عرضت مزايا الضربة الأولى".
لقد كان القصف الذري للسكان المسالمين في هيروشيما و ناغازاكي أمراً لا معنى له من وجهة النظر العسكرية. وكان عبارة عن عمل فظيع من أعمال الإرهاب الدولي. فإن مئات الآلاف من سكان هاتين المدينتين تحولوا إلى رماد كرسالة من أجل تخويف شعوب العالم و الاتحاد السوفييتي.
وكان هدف الولايات المتحدة واضحاً وهو تهديد العالم كله بالخطر النووي. ومنذ تلك اللحظة تسلحت الولايات المتحدة بسياسة الإرهاب النووي و سلكت طريق صنع وإنتاج أنواع جديدة من الأسلحة البيولوجية والفتاكة .
وجاء في توصية إدارة المخابرات الموحدة في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1945 بشأن القصف الذري لـ/ 20 /مدينة سوفييتية و الولايات المتحدة تستطيع باستخدام كل القنابل الذرية لـ 196 لتسدد "ضربة قاضية إلى المصادر الصناعية للقوة العسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق تكون ضربة حاسمة في آخر المطاف".
وجاء في هذه التوصية: "أن الخاصية الرئيسية للسلاح الذري هي قدرته على تدمير التحشيدات البشرية، ويجب الاستفادة من هذه الخاصية إلى جانب الخواص الأخرى لهذا السلاح. فالضربات التي تسدد إلى القدرة الصناعية في روسيا لا يمكن أن تكن ذات مفعول جوهري إلا إذا جرت على نطاق واسع. وبنتيجة تدمير مؤسسات معالجة المعادن الأساسية أو المشاريع الحيوية مثل المحطات الكهربائية تستدعي الضرورات سنوات طويلة في أعمال الترميم.
إن الأهداف العشرين للقصف الذري هي مناطق صناعية مختلطة الطراز تحشد فيها مراكز البحوث والدراسات والمؤسسات ذات الأغراض الخاصة، وكذلك أهم الدوائر الحكومية وغيرها. ويؤمن اختيار هذه الأهداف الاستفادة القصوى من إمكانيات السلاح الذري"*.
كان ساسة واشنطن يحلمون بتدمير الاتحاد السوفييتي "بالعصا النووية". وهذا بالذات هو هدف "مبدأ ترومن" وغيره من المبادئ الاستراتيجية لإدارة واشنطن والتي توجه الولايات المتحدة صوب استخدام القوة العسكرية المكدسة مباشرة ضد الاتحاد السوفييتي. أما الآن فقد كشف النقاب عن هذه الخطط السرية الكثيرة للهجوم النووي على الاتحاد السوفييتي.
واحد المخططات المخطط الذي وضع في أواسط عام 1948 بأمر من اللجنة الموحدة لرؤساء الأركان وكان ينص على أن الحرب يجب أن تبدأ بغارات مركزة تستخدم فيها القنابل الذرية لقصف مراكز الحكومات والدوائر السياسية والإدارات ومؤسسات صناعة تكرير البترول.
وفي الأيام الثلاثين الأولى من الحرب كان مقرراً إلقاء 133 قنبلة ذرية على 70 مدينة سوفييتية. ومنها 8 قنابل ذرية على موسكو تدمر حوالي 40 ميلاً مربعاً من المدينة و 7 قنابل ذرية على لينيغراد تدمر 35 ميلاً مربعاً. وخلال عامين من الحرب بعد ذلك كان مقرراً إلقاء 200 قنبلة ذرية أخرى و250 ألف طن من القنابل العادية. وكانوا يتوقعون أن الاتحاد السوفييتي يستسلم في سياق هذا القصف أو بعده*.
وكان منطق الشانتاج النووي الذي اعتمدته هذه المخططات العدوانية قد قدم تبريراً لمزايا استخدام السلاح الذري في الحرب فوراً من وجهة نظر المصالح القومية للولايات المتحدة.
"فالقنبلة الذرية من شأنها أن تكون العامل الحاسم في القدرة العسكرية للحلفاء في أي صدام حربي مع الاتحاد السوفييتي. وهي الوسيلة الوحيدة لتشديد الضربة القاضية بأقصر وقت إلى العناصر الهامة الحيوية في القدرة الحربية السوفييتية. فالهجوم الذري المبكر، يسهل لدرجة كبيرة استخدام الوسائل الحربية لدى الحلفاء ويقلل بالتالي بشكل محسوس من خسائرهم. وأن الاستفادة الكاملة من المزايا النابعة من ذلك تتوقف على طابع وسرعة العمليات الحربية والسيكولوجية اللاحقة. ومن وجهة نظر مصالحنا القومية تعتبر مزايا القصف النووي الوقائي ذات أهمية استثنائية. ويجب بذلك كل الجهود لصنع وسائل قادرة على قذف أكبر عدد من القنابل الذرية على الأهداف المحددة بسرعة وبصورة فعالة"**.
وبقدر تكدس الشحنات النووية وتحسين وسائل إيصالها تعاظمت شهية العسكريين الأميركان واتسع نطاق الضربة النووية التي أعدوها للاتحاد السوفييتي.
ففي كانون الأول (ديسمبر) 1949 وضعت اللجنة الموحدة لرؤساء الأركان بتوجيه من الحكومة خطة خوض الحرب النووية باسم الشفرة "دروبشوت". ونصت هذه الخطة على إلقاء أكثر من 300 قنبلة ذرية و 250 قنبلة عادية على الاتحاد السوفييتي وتدمير ما يقرب من 85% من الصناعات السوفييتية في المرحلة الأولى من الحرب.
ولم تكتف الولايات المتحدة بوضع مخططات القصف النووي لأراضي الاتحاد السوفييتي، بل وخطت لاحتلاله من جانب القوات الأميركية بغية "اجتثاث جذور البلشفية". وجاء في توجيهات اللجنة الموحدة لرؤساء الأركان في مسائل التخطيط الاستراتيجي في 1/5/1947، مثلاً، "أن السيطرة التامة على الاتحاد السوفييتي يمكن تأمينها باحتلال مساحات محدودة من الأراضي، ولكن سعة الأراضي وكثرة عدد الأشخاص (العسكريين والمدنيين) الذين يجب السيطرة عليهم يستدعيان وجود قوت مسلحة كبيرة للحلفاء"*.
وكانت الولايات المتحدة تأمل في حل هذه المهمة بصورة إجمالية، بالجمع بين الهجوم المباغت الذي يستخدم فيه السلاح الذري وطرائق الحرب النفسانية والاقتصادية وبين العمليات السرية والنشاط التخريبي.
وبغية شن الحرب السرية النشيطة ضد الاتحاد السوفييتي بالدرجة الأولى تأسست في عام 1947 وكالة المخابرات المركزية في الولايات المتحدة. وكان من واجبها العمل على تحقيق طموحات واشنطن في السياسة الخارجية، أي جمع المعلومات عن العدو المحتمل وممارسة التخريب السيكلوجي والاقتصادي والسياسي ضد الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى ودعم الأنظمة المعادية للشيوعية في كافة أرجاء العالم ونسف نفوذ ومكانة القوى والحركات الديمقراطية وبالدرجة الأولى في دول أوروبا الغربية.
ومما له دلالته أن واشنطن صاغت آنذاك بتفصيل وقح تعريف ما يسمى "بالعمليات السرية" التي كادت تصبح الشكل الأساسي لنشاط وكالة المخابرات المركزية.
فقد أوضح الآباء المؤسسون لوكالة المخابرات قائلين: "يقصد بمصطلح (العمليات السرية) كل أنواع النشاط التي تمارسها أو تستسيغها حكومة الولايات المتحدة الأميركية ضد الدول الأجنبية المعادية للجماعات المعادية أو تأييد الدول أو الجماعات الصديقة. إلا أن هذا النشاط يخطط ويطبق بحيث لا تشير أية دلائل خارجية إلى مصدره ـ حكومة الولايات المتحدة ـ وفي حالة افتضاحه يمكن للحكومة الأميركية أن تتظاهر بإنكار مسؤوليتها عنه نهائياً.
وتضم هذه العمليات السرية ما يلي: الدعاية والحرب الاقتصادية والعمليات الوقائية المباشرة، بما فيها التخريب ومكافحة التخريب، والتدمير والإخلاء والأعمال الهدامة ضد الدول الأجنبية، بما فيها مساعدة حركة المقاومة السرية والأنصار وجماعات التحرير المهاجرة ودعم المجموعات المعادية للشيوعية في بلدان (العالم الحر) التي تترض للخطر"*.
وكانت هذه الأحكام التي صيغت في توجيه مجلس الأمن القومي رقم 10/2 الصادر في حزيران (يونيو) 1948 قد حددت نهائياً دور وكالة المخابرات المركزية كأداة لتقويض نظام الدولة في البلدان الأخرى، وبالدرجة الأولى الاتحاد السوفييتي. وصادقت هذه الوثيقة على الحجم الهائل للعمليات السرية ضد الاتحاد السوفييتي.
وبغية تنفيذ هذا التكليف بذلك وكالة المخابرات المركزية جهوداً نشيطة لإيجاد جماعات سرية مسلحة معادية للسوفييت في الاتحاد السوفييتي. ويقول المؤرخ السوفييتي ن. ياكوفليف في كتابه "وكالة المخابرات المركزية ضد الاتحاد السوفييتي" أن إرسال العملاء إلى الاتحاد السوفييتي اكتسب نطاقاً واسعاً اعتباراً من عام 1949. فقد حاول رجال العصابات الذين تدربوا في مختلف مدارس وكالة المخابرات المركزية أن يدخلوا أراضي الاتحاد السوفييت براً وبحراً وجواً من البلدان الاسكندينافية وألمانيا الغربية واليونان وتركيا ويران واليابان. وبالإضافة إلى محاولات تشكيل العصابات السرية المسلحة كلف هؤلاء بجمع المعلومات العسكرية. وقد بلغت تلك النشاطات أوجها في الفترة 1949ـ 1954.
وحاول المسؤولون في إدارة واشنطن أن يضفوا على العمليات الإرهابية للعسكريين الأميركان وعمليات دوائرهم التخريبية طابع الشرعية بإصدار مختلف "التوجيهات" و"المبادئ". ففي نيسان (أبريل) 1950 وقع الرئيس ترومان المذكرة السرية س ن ب ـ 68 التي نصت على إثارة وتأجيج القلاقل والانتفاضات في البلدان الواقعة في مناطق هامة استراتيجياً، أي البلدان المجاورة والحليفة للاتحاد السوفييتي بغية إجلال "نظام عالمي" يرضي واشنطن.
وعندما أخفقت الولايات المتحدة في جهودها لخلق "معارضة مسلحة" ضد النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى تحولت في مطلع الخمسينات إلى وضع مبدأ "تحرير" بلدان أوروبا الشرقية، وهو المبدأ الذي افترض تدخلاً بالقوة في شؤون الدول ذات السيادة في هذه المنطقة وتصفية النظام الاشتراكي فيها. وكلف الإرهابيون والمخربون الذين جندتهم وكالة المخابرات المركزية بالقيام بانقلابات حكومية واغتيال الساسة.
وقامت وكالة المخابرات المركزية بمحاولات لتنفيذ هذه الخطط في عام 1956 أثناء التمرد المضاد للثورة في المجر. وكان إذاعة "أوربا الحرة" التي تأسست ولا تزال قائمة على أموال وكالة المخابرات المركزية، أثناء الأحداث والأزمة في المجر وبولونيا تقنع المستمعين في هذين البلدين من بلدان أوربا الشرقية بأن الولايات المتحدة تؤيد (أمانيهم في الحرية).
وبعد فشل تمرد الرجة في المجر كلف نائب مدير وكالة المخابرات المركزية لوتسيان تراسكوت المسؤول عن نشاط الوكالة في البلدان الاشتراكية بتحليل أسباب هزيمة تمرد الردة وإجراء التعديلات اللازمة على خطط التحضير لحملة أخرى مضادة للثورة ـ في تشيكوسلوفاكيا هذه المرة. واستنتج تراسكوت آنذاك أنه إذا حصلت وكالة المخابرات المركزية على سماح بتنفيذ الخطط المرسومة بالكامل فإن أوربا ستقف على شفا الحرب.
إلا أن اهتمام واشنطن كان مسلطاً ليس فقط على البلدان الاشتراكية في أوروبا الشرقية.
فقد ناقشت واشنطن بمنتهى الجد إمكانية استخدام السلاح النووي في الحرب الكورية (1950ـ 953) وكذلك في عدد من النزاعات المحلية الأخرى. وتقول وسائل الإعلام الأميركية أن الرؤساء الأميركان خلال سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية قدوا العالم مراراً إلى حافة الهوة النووية. فقد هدد إيزنهاور باستخدام السلاح النووي ضد جمهورية كوريا الشعبية وضد الصين. وأراد جون كندي أن يستعين بالقنبلة الذرية أثناء الأحداث الخاصة ببرلين الغربية عام 1961 وأزمة الكاريبي عام 1962، وهدد جونسون ونيكسون باستخدام السلاح النووي أثناء التدخل الأمريكي المسلح في الهند الصينية.
وفي عام 1954، أثناء حرب التحرير الوطني في الفييتنام توقعت واشنطن هزيمة الجيش الاستعماري الفرنسي المحققة في الهند الصينية فاقترحت على باريس تسديد ضربة نووية إلى قوات الوطنيين الفييتناميين في بيان فو. وعادت الإدارة في واشنطن إلى نفس هذه الفكرة فيما بعد عندما أحس الغزاة الأميركان، وليس الفرنسيين هذه المرة، عندما جاءوا إلى الفييتنام بقرب هزيمتهم المحققة. وصارت أدمغة جنرالات البنتاغوت الساخنة تعتبر تسديد الضربة النووية إلى الفييتنام عملية حربية عادية تقريباً. وأطلق على تلك العملية اسم "داك هوك" وكانت تفترض تسديد ضربات بالسلاح النووي التكتيكي إلى أهداف في جمهورية الفييتنام الديمقراطية.
واستخدمت واشنطن الشانتاج النووي عام 1973 أثناء الحرب العربية الإسرائيلية.
ثم إن التخطيط للحرب الذرية ضد الاتحاد السوفييتي لم يعد من مخططات الماضي. فإن فكرة الضربة الذرية القاضية التي تسدد إلى الاتحاد السوفييتي تجسدت في صيغ المبادئ الاستراتيجية الأميركية التي تتجدد دوما. ومعروف أن وزير الدفاع الأميركي شليسنجر في الفترة 1974ـ 1975 قد صاغ الاستراتيجية النووية الجديدة على النحو التالي: يتعين على الولايات المتحدة الأميركية أن تحتفظ بقائمة الأهداف لأجل السلاح النووي الاستراتيجي والتكتيكي وأن تكون قادرة على اتخاذ القرار، تبعاً لواقع الأمور، بتدمير مدن العدو أو قواعده الحربية. وفي أواخر 1976 صادق الرئيس فورد على مذكرة مجلس الأمن القومي رقم 242 التي وردت فيها هذه الصيغة.
وكانت واشنطن تتصور الحرب النووية بمثابة "حرب محدودة"، بمعنى أن تسديد الضربة السبّاقة (الأولى) من قبل الأميركان ينبغي أن يصيب المواقع الاستراتيجية في الاتحاد السوفييت, وبعد ذلك لا تهدد الولايات المتحدة ضربة جوابية مدمرة. وفي هذه الحالة يقتصر التدمير بسبب الحرب النووية أساساً على أراضي الاتحاد السوفييتي وكذلك أوربا الغربية والشرقية. وبعد توقيع الرئيس كارتر على التوجيه رقم 59 في تموز (يوليو) 1980 غدا هذا المبدأ استراتيجية رسمية للولايات المتحدة الأميركية.
صحيح أن الكلام في هذا التوجيه لم يعد يدور على 20 أو 70 هدفاً للضربة النووية في الاتحاد السوفييتي، كما كان الحال في 1945ـ 1947. فقد أختير أكثر من 2500 هدف عام بين البا والأورال لأجل السلاح النووي الموجود في أوروبا الغربية أو الذي سيوزع فيها وحدها, وبالدرجة الأولى في جمهورية ألمانيا الغربية الاتحادية. وثلث تلك الأهداف متواجد في الاتحاد السوفييتي وحوالي الثلثين موزع على أراضي البلدان الأخرى الأعضاء في معاهدة وارشو.
إن استراتيجية (الضربة الذرية الأولى) الهوجاء لا تزال معتمدة في الولايات المتحدة الأميركية حتى اليوم. فقد جاء في التوجيه الخاص بالدفاع للسنوات المالية 1984ـ 1988 ".. أن القوات النووية الأميركية يجب أن تتفوق على القوات السوفييتية.. وتفضل الضربة القاضية على شبكات الإدارة والضبط والاتصال والمخابرات"*.
وذلك يؤكد أن واضعي خطة الحرب النووية "دروبشوت" قبل أكثر من ثلاثة عقود قد عثروا لهم على أتباع وأنصار هم واضعوا استراتيجية الولايات المتحدة الأميريكية وحلف الناتو.
2ـ وريثة المستعمرين
كانت محاولات وقف تطور العمليات الثورية والنضال التحرري في البلدان النامية، وخصوصاً في المناطق الهامة استراتيجياً والغنية بمصادر الخامات والوقود، مهما كلف الثمن تشكل واحداً من أهم أجزاء استراتيجية واشنطن على الصعيد الدولي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ففي سنوات أفول الاستعمار حيث بدأت الإمبراطوريات الاستعمارية تتقوض الواحدة تلو الأخرى تحت ضغط حركة التحرر الوطني للشعوب أخذت واشنطن على نفسها مهمة وريقة المستعمرين السابقين.
واضطلعت الولايات المتحدة بدور "حامية مصالح الغرب كله" فأعادت تنظيم علاقاتها مع الشعوب المناضلة في سبيل الحرية ومع الدول النامية الفتية على أساس المجابهة الشاملة ضد قوى التقدم والاشتراكية. علماً بأن واشنطن حاولت أن تصور نجاحات حركة التحرر الوطني على أنها نتائج "النشاط الهدام" من جانب الاتحاد السوفييتي. وكان البيت الأبيض يتناول الموقف في أية منطقة قلقة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية من ناحية "الخطر الحربي السوفييتي" متجاهلاً الدوافع الداخلية للأحداث الجارية.
وهناك أمثلة كثيرة على مظاهر نهج القوة الذي توجهه واشنطن ضد حرية واستقلال البلدان النامية وضد حركات التحرر الوطني. ولكن من المفيد أن نذكر مرة أخرى ببعض مراحل التدخل الأميركي الإرهابي في النضال التحرري للشعوب المستعمرة سابقاً.


"العنقاء" في دور الباشق
إن تاريخ الحرب الأميركية ضد الفييتنام ولاؤوس وكمبوتشيا ملئ بالعمليات الإجرامية الواسعة النطاق وكذلك بعمليات الحرب السرية. وقد بدأ تدخل واشنطن في الفييتنام عام 1954، عندما اتضح أن المستعمرين الفرنسيين يواجهون الهزيمة.
وفي المراحل الأولى كان دور الولايات المتحدة متقصراً على معاونة المستعمرين. فقد زود البنتاغون القوات التنكيلية الفرنسية في الهند الصينية بـ 14000 دبابة و 340 طائرة و 150 مليون قذيفة. وفيما بعد اقتنع الأميركان بأن عزيمة فرنسا القتالية في الفييتنام ضد ضعفت وشرعوا بوضع خططهم هم، ونصت هذه الخطط على أن الولايات المتحدة يجب أن تضطلع في الهند الصينية بدور حامية مصالح الغرب، ذلك الدور الذي عجزت فرنسا عن أدائه. وقد اتخذ القرار النهائي في هذه المسألة يوم 20 آب (أغسطس) 1954 في جلسة مجلس الأمن القومي. وجاء في مذكرة المجلس المرقمة 5429/2، مثلاً، أن الولايات المتحدة يجب أن تزيح فرنسا من دفة تسيير الأحداث في الفييتنام على جميع المستويات الإدارية.
وسرعان ما استلم السلطة في الفييتنام الجنوبية بجهود وكالة المخابرات المركزية صنيعة الأمريكان نغو دينع زيم، وتحولت البلاد إلى دولة بوليسية. ولم يبخل الأميركان بالمساعدات الحربية والمالية لصنيعتهم. فخلال الفترة 1955ـ 1960 شكلت تلك المساعدة مبلغاً هائلاً في مقاييس ذلك الزمان ـ مليار دولار. وإلى جانب تصاعد المقاومة ضد النظام العميل الذي استثار غضب الأغلبية الساحقة من سكان البلاد ازداد التواجد العسكري الأميركي في الفييتنام الجنوبية.
وأمام الانهيار الحتمي القريب للنظام المعادي للشعب سلكت الولايات المتحدة الأميركية نهج التدخل المباشر في شؤون الشعب الفييتنامي.
فإن الاستفزازات في خليج تونكين وقصف أراضي جمهورية الفييتنام الديمقراطية في علام 1964 كانت هي بداية التدخل الأميركي المسلح السافر في الهند الصينية. وفي ربيع 1965 قامت المشاة البحرية الأميركية بانزال في دانانغ، وفي عام 1968 بلغ تعداد القوات الأميركية في الفييتنام 550 ألف شخص. وخلال سنوات التدخل شارك في النزاع في الهند الصينية حوالي ثلاثة ملايين أميركي.
وألقى الأميركان على الفييتنام أكثر من سبعة ملايين طن من القنابل والقذائف. وقتل الجنود الأميركان واحرقوا بالنابالم وسمموا بالغازات حوالي مليوني شخص خلال "الحرب القذرة" في الفييتنام. والتهمت نيران النابالم الأطفال والنساء والشيوخ، ودمر بالكامل أو جزئياً 9 آلاف مركز سكني. وظل بلا مأوى ما لا يقل عن 15 مليون شخص.
ورش المعتدون حقول وغابات الفييتنام بـ 48 مليون لتر من مادة "أيجنت أورانج" السامة التي لا يزال يعاني من التسمم بها عشرات الآلاف من الفييتناميين وآلاف الأميركين. وتعتبر "أيجنت أورانج" مادة سرطانية تدمر الجهاز العصبي والكبد. ويعاني من هذا المستحضر ليس فقط الأشخاص الذين كانوا في منطقة الرش بل وكذلك أبناؤهم بالوراثة. فمئات الأطفال مشوهون بالفطرة مع أنهم ولدوا بعد عشر سنوات من انتهاء الحرب في الفييتنام.
وقد أقيم في واشنطن مؤخراً نصب هو عبارة عن جدار من الغرانيت القاتم حفر عليه أسماء 58 ألف أميركي قتلوا في الهند الصينية. هذا هو "حائط المبكى" الأميركي. ولو بنى مثل هذا الحائط إحياء لذكرى الفييتناميين ضحايا الحرب لامتد على طول عدة كيلومترات.
وقد استخدم العسكريون الأميركان أكثر أنواع السلاح وحشية مثل القنابل العنقودية والنابالم والقنابل الفوسفورية والقنابل ـ المصائد. وبالقصف المكثف أباد السفاحون الأميركان وصنائعهم قرى بكاملها. ففي قرية سونغمي وحدها قتل 567 من الأهالي العزل، وأغلبهم من الشيوخ والنساء والأطفال. وقد أعدم الليفتينات الأميركي وليم كولي 109 منهم.
وتفيد معطيات وكالة المخابرات المركزية أن السكان المدنيين تكبدوا 80% من الخسائر الناجمة عن عمليات القوات المسلحة الأميركية. ففي إطار عملية "فينيكس" (العنقاء) وحدها أبيد 40 ألف من السكان المسالمين الذين اشتبه الأميركان بصلاتهم مع الأنصار. وكان هذا البرنامج الفظيع "لتهدئة" قرى الفييتنام الجنوبية قد وضعته وكالة المخابرات المركزية التي كان لها في الفييتنام الجنوبية جيش من السفاحين تعداده 45 ألفاً. وكان السفاحون يعتقلون كل من يشتبه بهم وقد حاولوا انتزاع الإفادات المطلوبة منهم بالتعذيب الوحشي في "مراكز التحقيق" الخاصة.
ثم إن ذوي "الطاقيات الخضراء" السيئي الصيت قد خلفوا آثاراً دموية على أرض فييتنام. فإن هذه التشكيلات العسكرية الأميركية الخاصة كانت تستخدم لشن العمليات ضد الوطنيين.
وتضررت شعوب الهند الصينية الأخرى من شرور العسكريين الأميركان. فإن لاؤوس وكمبوتشيا ذاقتا في البداية ويلات القصف الجوي المدمر الذي مارسه سلاح الجو الأميركي ثم تعرضنا لهجوم مباشر من القوات الأميركية السايغونية.
واعتباراً من عام 1964 مارست وكالة المخابرات المركزية "الحرب السرية" في لاؤوس أكثر من عشرة أعوام. وكان العميل المباشر للمخابرات الأميركية هنا هو الجنرال فانغ باو الذي كان جيشه يتكون من 15 ألف شخص يشن بعدم من القوات الجوية الأميركية غارات على المناطق المحررة بغية تحويلها إلى "أرض محروقة". ويفيد تقرير لجنة شيرش التي حققت في نشاط وطالة المخابرات المركزية أن الوكالة طبقت في لاؤوس برنامج إعداد تشكيلات شبه عسكرية وتزويدها بما تحتاج إليه جواً.
وقد تحولت هذه العمليات بالتدريج إلى حرب فعلية. وعبأت وكالة المخابرات المركزية ودربت جيشاً من أبناء القبائل اللارؤوسية تعداده الإجمالي لا يقل عن 30 ألف شخص وقد أطلق عليه اسم "الجيش السري". وقام الطيارون الذي استأجرتهم وكالة المخابرات المركزية بعمليات من الطائرات الأميركية لتموين هذا "الطابور الخامس"، كما قصفوا بالقنابل تشكيلات الوطنيين. وكانت نفقات هذا البرنامج السنوية لا تقل عن 30 مليون دولار. وقد أشرف على تنفيذه 40ـ 50 مسؤولاً من وكالة المخابرات المركزية.
وقد شارك أكثر من 50 ألف شخص مع 1500 طائرة و40 سفينة في العدوان الأميركي على لاؤوس بغية الحفاظ على الحكومة الرجعية ومكافحة جبهة باتيت لاو التحررية. وبالإضافة إلى ذلك كانت وكالة المخابرات المركزية تنفق على 20 ألف من المرتزقة التايلانديين الذين كانوا هم أيضاً يقاتلون ضد الوطنيين.
وفي مطلع عام 1969 قرر البيت الأبيض قصف كمبوديا (كمبوتشيا اعتباراً من بداية عام 1976) بشكل مكثف بالإضافة إلى القصف المشدد للمناطق المحررة في الفييتنام الجنوبية وأراضي الفييتنام الديمقراطية والتدخل في لاؤوس. واعترف الرئيس الأميركي آنذاك نيكسون أن الحرب الجوية السرية الأميركية في كمبوديا بدأت بأمر منه منذ الفترة التي أعلنت فيها الحكومة الأميركية عن احترامها "الدقيق" لحياد كمبوديا. وفي غضون الـ 14 شهراً التي سبقت التدخل الأميركي "الرسمي" في شؤون كمبوديا ألقيت على هذا البلد الأعزل 104 آلاف قنبلة.
وكانت عملية قصف كمبوديا تحمل اسماً فظيعاً: "قائمة الطعام" وتضم "فطوراً" و"غداء" و"عشاء". وقد بدأ "الفطور" الأول في 17 آذار (مارس) 1969 حيث خلفت 84 قاذفة قنابل خاضعة لأوامر الكمبيوترات 48 خطاً محروقاً من الأراضي طول الواحد منها حوالي ثلاثة كيلومترات وعرضه 700ـ 800 متر، حيث دمر كل ما هو حي هناك. وقد أبيد بالأساس السكان المسالمون المتواجدون في منطقة "القصف البساطي". وألقت قاذفات القنابل الأميركية على أراضي كمبوديا، بموجب معطيات البنتاغون الرسمية التي نشرت فيما بعد، 110 آلاف قنبلة. وترك القصف على أراضي كمبوديا 3640 خطاً محروقاً طول الواحد منها 3 كيلومترات.
ولم يكن هذا القصف الوحشي كافياً. ففي 18 آذار (مارس) 1970 قام عملاء وكالة المخابرات المركزية في بنوم بنه بانقلاب حكومي ونصبوا نظاماً عميلاً برئاسة لون نول الذي انهال رأساً على القوى اليسارية والمعارضة بحملات التنكيل. وانتهى التطور السلمي للبلاد. فقد جروها إلى الحرب التي شنتها الأمبريالية الأميركية ضد الفييتنام ولاؤوس.
واعتباراً من نيسان (ابريل) 1970 شنت العمليات الهجومية الواسعة على كل امتداد الحدود الشرقية لكمبوديا تقريباً. وكانت 100 قاذفة قنابل أميركية ثقيلة تقصف مدن وقرى كمبوديا. وحاصرت السفن الحربية الأميركية ميناء كمبونغساوم مع خط ساحلي بمائة ميل. والتهمت النيران القرى وتحولت المدن إلى أنقاض.
وبلغ تعداد القوات الأميركية في كمبوديا بالتدريج 31 ألفاً. وشارك في عمليات "التهدئة" أكثر من 700 دبابة وأكثر من 100 قاذفة قنابل طراز ب ـ 25 ومئات الطائرات العمودية المقاتلة و 40 سفينة من الأسطول السابق الأميركي. وبموجب المعطيات الرسمية الأميركية وحدها ألقى سلاح الجو الأميركي خلال هذه السنوات على المدن والقرى في كمبوديا وعلى أراضي هذا البلد 500 ألف قنبلة وقتل في مناطق القصف 600 ألف شخص. وغادرت البلاد مئات الآلاف من السكان. وتقلصت المحاصيل الزراعية في هذه المناطق إلى الربع، كما تقلص المنتوج الصناعي إلى 10%.
وبالإضافة إلى ويلات التدخل الأميركي تعرضت كمبوديا التي ذاقت الأمرين، كما هو معروف، إلى الإبادة التي مارستها زمرة بول بوت من خلال نظام الإرهاب الذي أقامته في البلاد، وهي مسؤولة عن إبادة ثلاثة ملايين شخص.
لقد انتهت المغامرة الدموية في الهند الصينية بهزيمة عسكرية وعسكرية للأمبريالية الأميركية. إلا أن الإمبريالية الأميركية، على ما يبدو، لم تأخذ إطلاقاً العبرة اللازمة من هذه الهزيمة. فخلال أمد طويل لم يحاول أي سياسي أميركي جاد أن ينكر النتائج المعيبة للحرب الإجرامية في الفييتنام. ولكن بعد مرور عشر سنوات على نقل آخر "الأبطال" الأميركيين من سايغون بالهليكوبترات بدأ الرئيس ريغان حملة لإعادة النظر في نتائجها. ويحاولون أن يصوروا المشاركين في الحرب الفييتنامية على أنهم "مناضلون في سبيل قضية عادلة"، ويسعى الرئيس وبطانته إلى تبرير هزيمة الولايات المتحدة فينسبانها فقط إلى أخطاء تكتيكية في شن العمليات الحربية وإلى قلة "الحزم". فقد قال ريغان في كلمته أمام أعضاء منظمة "قدامى المحاربين في الخارج": لقد بقينا طويلاً نعيش مع العلة الفييتنامية أي أنه حان الوقت لإعادة النظر في التأريخ. وهذه الإعادة تجري أمام أنظارنا. يحاول الرئيس الأميركي أن يحول الهزيمة المخزية التي لحقت بالولايات المتحدة في الفييتنام إلى نصر زاعماً بأن القوات الأميركية انتصرت في الواقع في جميع المعارك" ولكن الساسة فقط هم الذين أعاقوا الشباب الأميركان عن إحراز النصر النهائي.
وتحاول الإدارة الحالية في الولايات المتحدة أن تنسى دروس الهزيمة في الفييتنام. فيزعمون اليوم مراراً وتكراراً، مثلما فعل كبار موظفي النتاغون في السنوات العدوان على الفييتنام، بأن التيانهزمت هناك ليس سياسة القوة بل السياسة المعتمدة على قوة غير كافية.
إن العسكريين الشرسين من المحافظين الجدد الأميركان يقرعون من جديد طبول الشوفينية معلنين أن الولايات المتحدة الأميركية منيت بالهزيمة في هذه الحرب التي هي أطول حرب في تاريخها لأنها كانت… "مفرطة في الإنسانية". والهدف من هذه الحملة الدعائية واضح، وهو "إعادة الاعتبار" إلى المغامرات الحربية السابقة وإعداد الرأي العام للقبول بمغامرات جديدة.
وأثناء إزاحة الستار عن نصب ضحايا الحرب في الهند الصينية نعت ريغان هذا النصب بانه رمز "شفاء" أميركا. شفائها من "العلة الفييتنامية"؟ من عقدة الشعور بالذنب؟ من تأنيب الضمير على الجرائم التي اقترفتها؟ في أغلب الظن من الخوف من تكبد هزيمة جديدة في مغامرات أمبريالية جديدة.
وها هي الولايات المتحدة التي شفيت من كابوس الفييتنام تفكر في العودة إلى الهند الصينية، ولكن بدور "الدفاع عن استقلال" كمبوتشيا هذه المرة.
فالولايات المتحدة اليوم تساعد الجلادين من زمرة بول بوت وفلول تشكيلات لون نول. وبتبربك من واشنطن تشكل ما يسمى "بالحكومة الائتلافية" من ممثلي المهاجرين الخميريين، وتضرم بؤرة التوتر الحربي على الحدود بين كمبوتشيا وتايلاند.
وأفادت الصحف الاميركية أن الإدارة في الولايات المتحدة لم تعد "تستبعد" احتمال تقديم المساعدة العسكرية إلى "منظمات الأنصار غير الشيوعية". وبتصعيد الحرب غير المعلنة ضد كمبوتشيا سلكت واشنطن طريق المغامرات الخطرة في الهند الصينية.
وفي محاولة لإعادة كتابة التاريخ وشطب الماضي الأميركي المشين وذي العبر من ذاكرة الشعوب تسلك واشنطن من جديد طريق المغامرات والمجاذفة في الهند الصينية.
"موسم الصيد" في أفريقيا
كانت الكونغو أول ضحية للاستعمار الجديد الأميركي في أفريقيا في عهد تحرير هذه القارة من السيطرة الاستعمارية. فقد صممت الولايات المتحدة هنا على أن تضع يدها على تركة المستعمرين البلجيكيين.
فبعد عدة أيام من إعلان استقلال الكونغو تمكن الضباط البلجيكيون من إثارة الاضطرابات في الجيش. وتذرعت بلجيكا بتلك الاضطرابات فأرسلت أكثر من 10 آلاف من جنودها وضباطها "لحماية الرعايا البلجيكيين". وطلبت حكومة الكونغو الشرعية برئاسة باتريس لومومبا مساعدة عسكرية من الأمم المتحدة لصد عدوان المستعمرين السابقين.
وكانت قوات للأمم المتحدة التي وصلت إلى الكونغو مكونة رسمياً من عسكريين من 29 بلداً. إلا أن كل المراكز الحساسة في قيادتها كانت بيد عسكريي حلف الناتو. وبلغ تعداد تلك القوا في مطلع 1961 25 ألف شخص وتجاوز تعداد جيش الكونغو.
ومارس القيادة الفعلية لقوات الأمم المتحدة المساعدان الخاصان للأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد وهما الأميركي ر. بانتش في البداية، ثم الأميركي اندريو كورديه في أيام آب وأيلول 1960 الحاسمة بالنسبة للجمهورية الفتية. وعمل كلا الأميركيان خلافاً لمصالح حكومة الكونغو الشرعية. فإن قيادة قوات الأمم المتحدة في الواقع هي التي سلمت لومومبا إلى خصمه السياسي تشومبي، وبذلك لوثقت سمعتها بالمشاركة في جريمة مقتله. وبعد ثمانية أعوام فقط اتضح أن كورديه كان عميلاً لوكالة المخابرات المركزية وكان يعمل بتوجيهات من لينغلي.
وألقى الضوء في الوقت ذاته على محاولات وكالة المخابرات المركزية المباشرة التي حظيت باستحسان القيادة العليا في الولايات المتحدة وباستحسان الرئيس الأميركي نفسه للقضاء جسدياً على لومومبا الذي لم يكن يرضي واشنطن. فقد عرف، مثلاً، أن قراراً "بتنحيه لومومبا بأسرع وقت" قد اتخذ في اجتماع سري عقد في البيت الأبيض في آب (أغسطس) 1960 وحضره الرئيس الأميركي أيزنهاور ومدير وكالة المخابرات المركزية دالس. وعلى أساس هذا التقرير وضعت وكالة المخابرات المركزية واستحسنت وأقرت طائفة كاملة من خطط المؤامرات لاغتيال باتريس لومومبا.
وعلى أثر تلك الجلسة أصدر دالس إلى معاونه الأقرب ريتشارد بيسيل الذي كان آنذاك يترأس وحدة من وكالة المخابرات المركزية وضعت وأشرفت على تنفيذ الأعمال الإرهابية أمراً بالشروع بالقضية. وأرسلت إلى ليوبولدفيل بريقة ورد فيها تكليف إلى مندوب وكالة المخابرات المركزية بتنفيذ خطة استبدال لومومبا بجماعة موالية للغرب. وفي اليوم التالي منح آلن دالس ذلك المندوب صلاحيات أوسع لتنحية لومومبا "بما في ذلك أكثر الأعمال شراسة إذا كان بالإمكان إبقاؤها طي الكتمان"، وسمح له باتفاق 100 ألف دولار على ذلك.
وبعد حين من الزمن وصل إلى ليوبولدفيل نبأ يقول أن شخصاً من مقر وكالة المخابرات المركزية يكنى "جو الباريسي" سيأتي إلى البلد "بمهمة عاجلة" بتكليف من واشنطن. وبعد أسبوع وصل كبير الأخصائيين "الغنيين" في وكالة المخابرات المركزية وفي حقيبته سم غريب شديد المفعول لقتل باتريس لومومبا.
ولم تقتصر وسائل القتل على المواد السامة. فلم تستبعد إمكانية قتل لومومبا باطلاقة من مسدس. لكنهم فضلوا السم لأنه، كما أوضح جو الباريسي، لا يترك آثاراً يشبته بها ويخلق انطباعاً بأن الشخص توفي لمرض عادي.
إلا أن القضية أخفقت لأن العميل الذي اختاره مندوب الوكالة لتسمم لومومبا واجه عدة صعوبات. وخلال الفترة التي كانوا يبحثون فيها عن عميل آخر فقد السم مفعوله الفتاك.
وطوال الشهرين التاليين بعث مندوب وكالة المخابرات المركزية في ليوبولدفيل إلى واشنطن سيلاً من الرسائل عن سير الأمور وذلك عبر قنال سري للغاية افتتح خصيصاً لتنفيذ مخطط الاغتيال. وفي إحدى تلك الرسائل طلب المندوب أن يرسلوا إلى السفارة الأميركية في الكونغو بطرد دبلوماسي "بندقية قوية من صنع أجنبي ذات ذبانة بصرية وكاتم صوت". وأضاف بوقاحة: "الصيد هنا ممتاز عندما يقع الضوء في الاتجاه المطلوب".
وفي كانون الأول (يناير) 1961، عندما كان لومومبا في موقع قوات الأمم المتحدة أخبر المندوب واشنطن بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لأنه نشأ احتمال خطير لعودة لومومبا إلى السلطة. وحذر المندوب كذلك قائلاً "إن الامتناع عن اتخاذ الخطوات الحازمة في هذه اللحظة يؤدي إلى هزيمة السياسة الأميركية في الكونغو". وبعد أيام قتل باتريس لومومبا.
وكان مقتل لومومبا فاتحة لسلسلة طويلة من أعمال الإرهاب الرسمي الذي مارسته الولايات المتحدة الأميركية ضد الدول الأفريقية المستقلة وزعمائها التقدميين. ولفت وكالة المخابرات المركزية القارة كلها بشبكة من العملاء. وحتى مطلع الثمانينات كانت للوكالة ستة مراكز رئيسية هنا: في الرباط والقاهرة ومونروفيا (ليبيريا) وكينشاسا (زائير) ونايروبي (كينيا) وبريتوريا (جمهورية جنوب أفريقيا). وتم تأسيس أو إعادة تنظيم 32 "محطة" و 50 "نقطة أمامية" لوكالة المخابرات المركزية. وحسب تقديرات ايجي، الموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية، يعمل في البلدان الأفريقية حالياً حوالي 900 من موظفي الوكالة بمختلف الأقنعة والذرائع.
ومن ضحايا "الصيد الأفريقي" لوكالة المخابرات المركزية حكومة قوامى نكروما في غانا التي أسقطت أثر انقلاب في شباط (فبراير) 1966 وزعيم النضال التحرري للشعب الموزمبيقي موندلاني الذي قتل في عام 1969.
إن السجل التاريخي للمؤامرات والاغتيالات والقتل التي دبرتها وكالة المخابرات المركزية يمتد إلى السبعينات والثمانينات. وإليكم بعضاً من صفحاته:
ـ 1973. مقتل كابرال الأمين العام لحزب الاستقلال لغينيا وجزر الرأس الأخضر.
ـ 1975. مقتل كاريوكا الشخصية التقدمية في كينيا.
ـ 1975. مقتل تولبيرت وزير المالية وشقيق رئيس الجمهورية في ليبيريا.
ـ 1975ـ 1980. مؤامرات استهدفت قتل ماشيل رئيس جمهورية موزمبيق (في عام 1986 قتل في حادثة طائرة).
ـ 1977. مقتل نغوابي رئيس جمهورية الكونغو الشعبية.
ـ 1981. محاولة اغتيال كاوندا رئيس جمهورية زامبيا.
ـ 1981ـ 1987. مخططات اغتيال زعيم الثورة الليبية معمر القذافي.
طغاة "من صنع الولايات المتحدة الأميركية"
منذ الخمسينات أخذت الولايات المتحدة تلجأ أكثر فأكثر إلى تصدير الثورة المضادة وإلى وسائل قمع النضال التحرري للشعوب بالعنف لأنها لم تكن راغبة في القبول بالتبدلات التاريخية في البلدان التي كان المستعمرون حتى أمد قريب يسيطرون عليها بلا منازع. وكانت الفليبين من أوائل ضحايا السياسة التي انتهجتها الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية "لاستبدال الخفراء الغربيين" في بلدان "العالم الثالث". ولعبت وكالة المخابرات المركزية دوراً نشيطاً في فرض "الوصاية" الأميركية الطويلة الأمد على هذا البلد حالما تحرر من الاحتلال الياباني. وبقيادة هذه الوكالة أجريت في الفليبين في 1950ـ 1953 سلسلة من العمليات العسكرية لدحر حركة الثوار اليسارية. وبدعم من وكالة المخابرات المركزية تمكن الجنرال رامون ماغسيسى من تسلم منصب رئيس الجمهورية في الفليبين.
وفي بداية الستينات أخذ فرديناند ماركوس الذي كان في الماضي القريب عريفاً في القاعدة العسكرية الأميركية يسمى إلى التربع على كرسي رئاسة الجمهورية معتمداً على تأييد واشنطن له وتأييد أقربائه وأصدقائه المتنفذين. وفي عام 1965 فاز في الانتخابات بدعم نشيط من الولايات المتحدة، لم ينسى أن يسدد "ديونه" إلى واشنطن. ففتح "الضوء الأخضر" أمام الرأسمالية الأميركي في الفليبين.
وكانت إدارة واشنطن واحتكارات الأميركية بدورها قد دفعت المال بسخاء إلى ماركوس لقاء اضطلاعه بدور الضامن لبقاء القواعد العسكرية الأميركية في الفليبين والمدافع المتحمس عن المصالح الأميركية في هذه المنطقة من جنوب شرقي آسيا بعد أن أقام في البلاد نظام الدكتاتورية الشخصية القاسي.
وعندما اضطر الأميركان في عام 1986، تحت ضغط حركة الاحتجاج الشعبية العامة المتصاعدة إلى تهجير ماركوس وعائلته على عجل من الفليبين لم يخبروا الرئيس الفليبيني المخلوع، وهم ينقلونه بسرعة إلى متن طائرة تابعة لسلاح الجو الأميركي, بالجهة التي يرسلونه إليها.
واحتاج موظفوا الجمارك الأميركان في جزر الهاواي التي أوصلوه إليها إلى أسبوع لكي يسجلوا قائمة بالمصوغات التي كانت في أمتعته. وتفيد التقديرات التقريبية أن قيمة الخواتم والأساور والأقراط والقلائد واللؤلؤ المنثور العائدة إلى أميليدا ماركوس تجاوزت 1.5 مليون دولار. وعثر على نقود بمثل هذا المبلغ. وجاء في تصريح المدعي العام الأول في الفليبين أن الأموال التي استأثر بها ماركوس وحاشيته الأقرب 5 مليارات دولار.
وبين حكم ماركوس الاستبدادي أن الولايات المتحدة الأميركية مستعدة للجوء إلى خدمات الطغاة والمستبدين وفرض اقسى الأنظمة التنكيلية على الشعوب لتؤمن المصالح الأميركية الاستراتيجية وتحافظ على القواعد الحربية الأميركية وتبقى الطريق مفتوحة إلى الثروات الطبيعية في بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
وأبلغ دليل على ذلك هو نظام الشاه في إيران. فإن واشنطن كانت تعتبر دكتاتورية الشاه الإرهابية "دعامة للاستقرار" في منطقة الخليج العربي. واستخدمت أراضي إيران لإقامة القواعد العسكرية الأميركية التي لعبت دور "نقاط مراقبة" ضد الاتحاد السوفييتي. وكانت إيران في الوقت ذاته تؤدي وظيفة "الدركي في المنطقة". وكانوا يعولون عليها كقوة قادرة على التدخل النشيط في شؤون دول شبه الجزيرة العربية والمناطق المتاخمة لها فيما لو بدت إحدى تلك الدول عملية التبدلات التقدمية.
ولذا فبعد أن أزيح حلفاء أميركا البريطانيون وهدد الخطر "مصالح الغرب" بسبب تصاعد الحركة التحررية للجماهير الشعبية في إيران في الخمسينات تدخلت واشنطن دون إبطاء. وهنا أفرد الدور الأول لوكالة المخابرات المركزية.
ولجأت الوكالة إلى شراء الذمم والشانتاج واستثارة رجال الدين المتعصبين. فغدا الانقلاب الذي دبر في عام 1953 في إيران لإسقاط حكومة مصدق وإعادة نظام الشاه "تجربة أولى" فريدة لوكالة المخابرات المركزية في بلدان "العالم الثالث".
فإن وكالة المخابرات المركزية بالذات غدت "وصايا" على وكالة السافاك، دائرة الشاه السرية، التي تأسست في عام 1957. وغدا مجرد اسم هذه الدائرة رمزاً للتعذيب الوحشي والقتل. وأوردت الصحف وقائع السمنارات التي أجراها موظفوا وكالة المخابرات المركزية لأجل العاملين في السافاك، حيث دربوهم على أساليب الاستجواب المكثف وعلى "فن" تعذيب الناس. وكان بين التجهيزات التكنيكية التي زودت بها وكالة المخابرات المركزية وكالة السافاك أدوات التفنن في التعذيب.
وفيما بعد اعترف المدير السابق لمكتب وكالة المخابرات المركزية في الشرق الأوسط ك. روزفلت (حفيد رئيس الولايات المتحدة الأميركية في مطلع القرن العشرين تيودور روزفلت) أن الانقلاب في إيران كان أول عملية سرية قامت بها الوكالة ضد حكومة أجنبية.
وبعد عام واحد استفاد عملاء وكالة المخابرات المركزية من التجربة الإيرانية فطبقوها في غواتيمالا وأسقطوا حكومة أربينس فيها.
ويعتبر عام 1944 نقطة بداية في أحداث غواتيمالا حيث انهارت دكتاتورية الجنرال أوبيكو صنيعة الرأسمال الأميركي المخلص والمعجب بالنازية في الوقت ذاته، ففر على جناح السرعة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وفي نفس العام اندلعت في عاصمة غواتيمالا انتفاضة مسلحة فاضطر الثلاثي العسكري الحاكم إلى التنازل لحكومة خوان خوسي اريفالوا التي أيدها الشعب. وقامت هذه الحكومة بعدة تحويلات اقتصادية واجتماعية هامة وطبقت سياسة خارجية مستقلة. ففي عام 1945، مثلاً، أقامت غواتيمالا العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي.
وفي عام 1951 حصل رئيس حزب العمل الثوري هاكوبو أربينس على 65 بالمائة من أصوات الناخبين وفاز برئاسة الجمهورية. وانتهجت حكومته نهج إشاعة الديمقراطية في المجتمع الغواتيمالي وتعزيز الاقتصاد الوطني وتأمين الحقوق الاجتماعية الأولية للشغيلة.
وفي آذار (مارس) 1953 صادرت حكومة أربينس قسماً من الأراضي غير المفلوحة التابعة لشركة "يونايتيد فورت كومباني". ورغم حصول الشركة على تعويض كبير فإن حرباً غير معلنة سرعان ما شنت على غواتيمالا. وكان العمل المشروع الذي قام به أربينس يشكل سابقة خطيرة على مصالح امبراطورية الموز التي كانت ممتلكاتها تشمل هندوراس ونيكاراغوا وكوستاريكا وكولومبيا وبناما والأكوادور وكوبا وجمهورية الدومنيكان وهايت يوجامايكا. واعتبرته الاحتكارات الأميركية الشمالية "تهديداً" لمصالحها "لا يجوز السكوت عليه". وكلفت وكالة المخابرات المركزية بتدبير انقلاب الردة الذي كان بداية للفاجعة الدموية لشعب غواتيمالا.
كان سيناريو إسقاط حكومة غواتيمالا قد وضع بمبادرة من مدير وكالة المخابرات المركزية دالس الذي كان من كبار أصحاب الأسهم في شركة "يونايتيد فورت كومباني". وكان مخطط المؤامرة يفترض مشاركة حركة الردة الداخلية بما فيه آباء الكنيسة الكاثوليكية. ونص المخطط على شراء ذمم كبار ضباط الجيش والقيام بتدخل عسكري. وسبقت تطبيق هذه النوايا العدوانية حملة دعائية افترائية مسعورة ذات نطاق عالمي، كان يراد لها الحط من سمعة الحكومة الشرعية وتصويرها بصفة "تابع" للاتحاد السوفييتي وأداة لتنفيد "خطط هيمنة الاتحاد السوفييتي على أميركا اللاتينية".
ورغم التكذيب الرسمي الذي أصدرته حكومة غواتيمالا انتشرت إشاعات عن شراء غواتيمالا "للسلاح السوفييتي". ونشرت بشكل مكثف خرافة الخطر العسكري الصادر عن غواتيمالا مع أن جيش هذا البلد كان آنذاك يضم 3 آلاف جندي سيئ التسليح، ولم تكن غواتيمالا إطلاقاً تمتلك سلاحاً جوياً ولا أسطولاً حربياً. وبعبارة أخرى فقد اتهمت غواتيمالا بنفس "الاتهامات" المعتادة التي يوجهونها اليوم إلى نيكاراغوا في محاولة لعزلها ومحاصرتها بغية إسقاط السلطة الشعبية.
وفي المؤتمر الأميركي العام العاشر* (كاراكاس 1954) فرضت الولايات المتحدة اتخاذ قرار معاد للشيوعية، وصادقت في الواقع على التدخل المسلح ضد غواتيمالا.
وخصص لهندوراس، جارة غواتيمالا، دور رأس الجسر للعدوان على هذه الأخيرة. وتقوم هندوراس الآن أيضاً بأداء هذا الدور مع فارق واحد وهو أن البلدان الذي يتعرض للعدوان المسلح هو نيكاراغوا وكذلك قوات الثوار في سلفادور. واتهمت سلطات هندوراس حكومة غواتيمالا علنا بأنها غدت قدوة سيئة للبلدان المجاورة عندما طبقت الإصلاح الزراعي.
"يبدو أن كل شيء على ما يرام" ـ هذه هي الكلمات الأخيرة في البرقية التي بعثها سفير الولايات المتحدة في غواتيمالا د. بيورفورا في 18 حزيان (يونيو) 1954 إلى وزير الخارجية جون فوستر دالاس بعد بضعة دقائق من مشاهدته طائرات "ب ـ 47" تلقي القنابل الأولى على عاصمة غواتيمالا.
وفي ظل الغزو الذي بدأ توجه الرئيس أربينس إلى الشعب في 20 حزيران (يونيو) 1954 قائلاً: "جريرتنا الوحيدة هي أننا اتخذنا قوانين الزامية للجميع. وجريرتنا في كوننا بدأنا نطبق الإصلاح الزراعي الذي مس مصالح "يونايتيد فروت كومباني".. وجريرتنا في رغبتنا الوطنية للتطور وبلوغ الاستقلال الاقتصادي الذي يستجيب لمصالح الاستقلال السياسي. لقد حكموا علينا لأننا منحنا الفلاحين الأرض والحقوق".
وبحجة "مكافحة الشيوعية" في غواتيمالا بدأت جملة إرهابية لم يسبقها مثيل. فأبيد أعضاء النقابات والأحزاب البورجوازية والفلاحون الذين حصلوا على قطع الأراضي أثناء الإصلاح الزراعي. وبنتيجة أعمال وكالة المخابرات المركزية والجيش وقوات الأمن و"أسراب الموت" قتل 100 ألف وضاع كل أثر لحوالي 35 ألف شخص.
3ـ ما أبعدهم عن الله…
التدخل المسلح والمؤامرات والانقلابات
إن التدخل المسلح في غواتيمالا مجرد حلقة في السلسلة الطويلة لجرائم الأمبريالية الأميركية بحق سيادة واستقلال بلدان أميركا اللاتينية. فإن تأريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وهذه البلدان هو سجل للإرهاب والجرائم.
وتعتبر واشنطن هذه المنطقة بمثابة صنيعة لها أو "باحة خلفية"، وتتصرف بها كأنه ليس هناك قانون يقيدها. فهي يمكن أن تقترف أي جريمة ترغب فيها بقية بسط الهيمنة الأميركية على المنطقة كلها وتقمع أي طموح لدى شعوبها إلى الحرية والاستقلال.
وخلال القرن الأخير، كما كتب في جريدة "واشنطن بوست" ج. مارتين سفير الولايات المتحدة السابق في جمهورية الدومينيكان، شنت الولايات المتحدة 199 عدواناً مسلحاً غير معلن على بلدان أجنبية، ومنها 81 عدواناً على بلدان أميركا اللاتينية.
ونعيد إلى الأذهان الأحداث الأساسية للتدخل الأميركي في أميركا اللاتينية خلال العقود الأولى من القرن العشرين فقط:
1903ـ احتلال منطقة قناة بناما وفرض اتفاقية جائرة على هذا البلد.
1906ـ 1912 تدخل مسلح ضد نيكاراغوا وهندوراس.
1912 دخلت القوات الأميركية كوبا لقمع الحركة التحررية في الجزيرة.
1913ـ 1917 تدخل عسكري متواصل تقريباً ضد المكسيك.
1914 احتلال هايتي من قبل مشاة البحرية الأميركية.
1919ـ 1921 عدوان على هندوراس وكوستاريكا وبناما.
1926ـ 1933 احتلال نيكاراغوا.
وبلغ مجموع ما دبرته الولايات المتحدة اعتباراً من عام 1878 (عام الحرب الأميركية الإسبانية بسبب كوبا) 14 عدواناً مسلحاً على المكسيك و13 عدواناً على كوبا و11 على هندوراس و 5 على هايتي و 3 على بورتوريكو وعدوانين على غواتيمالا.
وفي كل هذه الأحداث خرقت الولايات المتحدة المادة 15 من ميثاق منظمة الدول الأميركية التي تقول: "لا يحق ولاية دولة أو مجموعة من الدول بأية ذريعة كانت القيام بتدخل مباشر أو غير مباشر في الشؤون الداخلية أو الخارجية لأية دولة أخرى". وكذلك المادة 27 التي تؤكد بأن "أراضي الدولة تتمتع بالحرمة ولا يجوز أن تتعرض للاحتلال العسكري أو غيره من أعمال العنف التي تقوم بها دول أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة بغض النظر عن الدوافع وبغض النظر عن كون تلك الإجراءات ذات طابع وقتي".
إلا أن القانون الدولي في عرف البيت الأبيض، ينتهي عند حدود أميركا اللاتينية. وقد أعلن ذلك على الملأ مسؤولون من مختلف المستويات في واشنطن.
ففي 2 نيسان (أبريل) 1903 كان الرئيس تيودور روزفلت الذي غالباً من يستشهد زعماء الولايات المتحدة "بوصاياه" قد طرح في شيكاغو الصيغة التالية التي غدت من المبادئ الأساسية للولايات المتحدة في سياسة التدخل في أميركا اللاتينية: "مبدأ مونرو* لا يمت بصلة إلى القانون الدولي… وليست هناك أية حاجة طالماً نمتلك الإرادة والقوة لتحويله إلى واقع.. هناك قول مأثور بسيط قديم: "تكلم برفق واحمل هراوة كبيرة وستقطع شوطاً كبيراً".
وفي عام 1965 أعلن الرئيس جونسون قائلاً: "لا ننوي الوقوف مكتوفي الأيدي ولن نسمح للشيوعيين بأن يقيموا حكوماتهم في أي بلد من بلدان النصف الغربي من الكرة الأرضية". وعلى هذه الصورة يجري التدخل الأميركي المسلح في جمهورية الدومينيكان. وفي عام 1985 أعلن وزير الخارجية ج. شولتز "أن أميركا الوسطى تنتمي إلى الغرب، وعلى الشرق أن يستبعد من هناك". وبذلك قدم إنذاراً إلى حكومة نيكاراغوا الساندينية.
إن العمليات السرية للدوائر التخريبية الأميركية في بلدان أميركا اللاتينية متنوعة: من تدبير الانقلابات العسكرية وإسقاط الحكومات "المغضوب عليها" إلى العمليات "المضادة للأنصار" والأعمال الإرهابية والتخريبية، من اغتيال رؤساء الحكومات والشخصيات السياسية البارزة إلى نسف الاقتصاد وجمع المعلومات التجسسية ودس العملاء في الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الطلابية.
وقد شهد تاريخ أميركا اللاتينية الكثير من الحالات التي استخدمت فيها الولايات المتحدة "الهرواة الكبيرة" في علاقاتها مع جاراتها من بلدان هذا القارة. واستولت الولايات المتحدة على أكثر من نصف أراضي المكسيك. ونهبت نيكاراغوا بلا حياء ونصبت في هذا البلد أسرة سوموسا الرهيبة التي بطشت بالشعب الباسل طوال أكثر من أربعة عقود. وفي جمهورية الدومينيكان نصبت الولايات المتحدة الدكتاتور تروخيليو الذي دافع عن مصالح الأمبريالية. وفي هايتي ظل نظام عائلة دوفاليه البشع قائماً بمعونة الولايات المتحدة سنين طويلة.
وتشكل فصلاً خاصاً في تاريخ القارة الانقلابات الحكومية التي دبرها عملاء ومرتزقة وكالة المخابرات المركزية.
فخلال الفترة من 1945 حتى 1975 حدث في بلدان أميركا الوسطى وحدها 25 انقلاباً موالياً لأميركا. فأقيمت الأنظمة الدكتاتورية الموالية لأميركا، مثلاً، في فنزويلا وكولومبيا وبيرو والبرغواي في الفترة 1947ـ 1949 وحدها.
وفي عام 1961 تمكنت وكالة المخابرات الأميركية من إسقاط رئيس جمهورية الأكوادور فيلاسكو إيباري الذي رفض قطع العلاقات الدبلوماسية مع كوبا. ولم يسر خليفته كارلوس خوليو اروسيمينا في ركاب الولايات المتحدة فلجأت المخابرات المركزية من جديد إلى تكتيك البلبلة حتى أسقطت هذه الحكومة في تموز (يوليو) 1963.
وفي البرازيل قدمت المخابرات المركزية مساعدات مالية إلى الخصوم السياسيين للرئيس جواو غولارت الذي صادر ممتلكات فروع شركة "انترنشنل تلفون أند تلغراف" الأميركية ورفض قطع العلاقات مع كوبا. ودفعت المخابرات النقابات والعسكريين إلى القيام بأعمال ضد الحكومة ودبرت عصياناً في عام 1964 أسفر عن إقامة الدكتاتورية العسكرية.
وشنت واشنطن على كوبا الثورية حرباً واسعة، مع أنها غير معلنة، استخدمت فيها القوات المسلحة والضغوط الاقتصادية والشانتاج السيكولوجي وخدمات المرتزقة الإرهابيين من بين المرتدين الكوبيين وحتى أفراد عصابات المافيا.
وكان هدف العمليات ضد كوبا هو إسقاط حكومة فيديل كاسترو. وقد شرعت المخابرات المركزية بتنفيذ مخططات قتل زعماء الثورة الكوبية قبل دخول خليج كوشينوس. وجرت المحاولة الأولى لاغتيال فيديل كاسترو في بداية عام 1961. وخلال العامين التاليين أرسلت إلى كوبا خمس جماعات من القتلة.
ولأجل تدبير اغتيال كاسترو حاولت المخابرات المركزية الاستفادة حتى من خدمات المافيا. ولهذا الغرض وافق كبار مسؤولي المخابرات على دفع 150 ألف دولار لعصابات المافيا. إلا أن هذه العملية أخفقت شأن سابقاتها.
كان الإرهاب الشامل ضد الشعب الكوبي يجري من عشرات المطاردات السرية والسفن والقوارب المجهزة خصيصاً. واستخدمت لهذا الغرض مستودعات سرية للسلاح كان أحدها موجوداً في منطقة جامعة ميامي. ومن مدرجي الإقلاع السريين في فلوريدا ولويزيانا أقلعت قاذفات القنابل "ب ـ 26" التي قام طياروها المرتزقة بغارات قرصنية على كوبا فقصفوا مستودعات البترول والمحطات الكهربائية والمشاريع الصناعية.
وكانت فكرة التدخل المسلح في كوبا قد طرحت في نيسان (أبريل) 1959 من قبل نكسون نائب الرئيس الأميركي آنذاك في مذكرة سرية قدمها إلى الرئيس دوايت ايزنهاور وأعضاء المجلس الأمن القومي والبنتاغون والمخابرات المركزية. وفي حزيران (يونيو) 1960 درست المجموعة الموحدة لرؤساء الأركان "الموقف الكوبي" وأوصت الرئيس بالقيام بالتدخل المسلح في كوبا.
ووضعت الحكومة الأميركية تحت تصرف المخابرات المركزية أموالاً كبيرة وأسلحة وأخصائيين عسكريين لإعداد "جيش التحرير" وكان المهاجرون الكوبيون الذين عبأتهم المخابرات المركزية قد اجتازوا امتحان "الولاء" بعد انتقاء دقيق ثم نسبوا إلى المراكز الأساسية للتحضير للغزو. وتشكلت في الولايات المتحدة وفي بلدان أميركا الوسطى حوالي 20 قاعدة للتدريب.
واتخذت واشنطن خطوات جديدة لفرض الحصار على كوبا. فقد منع سفر الرعايا الأميركان إلى كوبا وفرض الحظر على استيراد البضائع الكوبية ومنع التصدير من الولايات المتحدة. وفي أيلول (سبتمبر) اتخذ الكونغرس الأميركي قراراً يلزم الرئيس بوقف المساعدة الاقتصادية فوراً إلى الدول التي تقدم دعماً عسكرياً واقتصادياً لكوبا. وفي كانون الثاني (يناير) 1961 قطعت الولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسية مع كوبا.
وبعد محاولات فاشلة لاستخدام الإرهاب والعدوان الاقتصادي والتخريب الحصار والردة لم يبق لدى الولايات المتحدة إلا "مخرج" واحد هو العدوان المسلح.
وفي مؤتمر صحفي عقد في 12 نيسان (أبريل) 1961 أعلن الرئيس جون كندي الذي حل محل إيزنهاور "أن القوات المسلحة الأميركية لن تتدخل في الشؤون الكوبية بأية حال". وفي تلك الأيام كان التحضير للغزو يجر على قدم وساق. وبعد خمسة أيام من المؤتمر الصحفي بدأ في 17 نيسان غزو المرتدين الكوبيين في منطقة بلايا ـ خيرون.
ولم يكن بين قوات الغزو جنود أميركا. ولكن الطائرات الأميركية شنت قبل الغزو غارات على المدن الكوبية، كما هاجم الغواصون التخريبيون من القوات الأميركية الخاصة مخفراً حدودياً مكون من عدد ضئيل من مقاتلي المليشيا الشعبية الكوبية. وفي السادسة صباحاً قامت طائرات النقل العسكرية الأميركية بإنزال مظلي على الطرق المؤدية إلى أعماق الجزيرة عبر المستنقعات. وبعد القصف الجوي بدأت فصائل من المرتزقة المسلحين جيداً الذين عبروا من ميناء صغير في نيكاراغوا بإنزال على الشاطئ الكوبي. وشارك في العدوان نفسه أكثر من 1.5 ألف سفاح مدرب ومسلح في أميركا و 80 طائرة و 35 سفينة حربية.
وألقى دكتاتور نيكاراغوا سوموسا "كلمة تبريك" أمام المرتدين وأعلن لهم أن "العالم الحر" كله يقف إلى جانبهم. وعندما كان أسطول الغزو هذا متوجهاً إلى مكان الإنزال برفقة بارجتين أميركيتين وحاملة الطائرات "بوكسر" انهالت طائرات "ب ـ 26" الأميركية وعليها شارة سلاح الجو الكوبي بحملها الفتاك على مطارات كوبا.
وفي يوم الأحد 16 نيسان (أبريل) اطلع عملاء المخابرات المركزية المسؤولون عن العملية رؤساءهم أن "سلاح جو كاسترو دمر بالكامل".
إلا أن الأمور سارت ليس بالشكل الذي خططت له المخابرات المركزية. فإن قوات الانزال "المحررة" لم تتمكن من التقدم شوطاً يستحق الذكر. فقد ظهرت في الجو بشكل مباغت لقوات الانزال طائرات سلاح الجو الكوبي "المدمِّرة". وبدأت أوضاع "جيش التحرير" بالتدهور الشديد عندما وصلت إلى ساحة القتال الوحدات الكوبية النظامية.
وبغية انقاذ فلول المرتدين أرسلت القيادة الأميركية ست بوارج إلى خليج كوشينوس. ولم تتمكن القوارب التي أنزلت من تلك البوارج أن تصل إلى الساحل بسبب وابل نيران المدفعية الكوبية. وأثناء هذه العملية قتل أربعة طيارين أميركان كانوا يقودون الطائرات العائدة إلى المخابرات المركزية، كما قتل حوالي 300 مهاجر كوبي. وأسر أكثر من 1200 شخص. ورفع "المحررون" علماً ابيض.
وعلى أثر إخفاق عملية خليج كوشينوس قامت سلسلة من الأعمال التخريبية الجديدة ضد كوبا. واتسمت بطابع مكثف جداً حتى أن أحد المشرفين على وكالة المخابرات المركزية صرح قائلاً: "إننا في حالة حرب مع كوبا". وكان من عمليات هذه الحرب تفجير طائرة مدنية تابعة لشركة طيران "كوبانا دي أفيسيون" على أيدي مرتزقة المخابرات المركزية في تشرين الأول (أكتوبر) 1976. وبنتيجة هذا العمل الإرهابي قتل 37 شخصاً بينهم 57 كوبياً، ومنهم أفضل رياضيي المبارزة الكوبيين الذين كانوا عائدين يحملون الميداليات الذهبية من غايانا، حيث اختتمت مبارة بلدان أميركا الوسطى وحوض الكاريبي.
وفي عام 1961، بعد شهر من إخفاق غزو كوبا اقترنت واشنطن بأيدي عملائها عملاً ارهابياً رسمياً آخر, حيث انهالت بلا شكليات على أحد صنائعها وهو الدكتاتور تروخيليو. وخلال ثلاثين عاماً من الحكم أمن تروخيليو للتوظيفات الأميركية في اقتصاد جمهورية الدومينيكان زيادة قدرها 10 أضعاف حيث وضع الفروع الاقتصادية الحساسة في البلاد تحت سيطرة الرأسمال الأميركي. إلا أن واشنطن رأت أن من الأفضل التخلص من صنيعتها الذي تدهورت سمعته وذلك لاحتواء غضبة الشعب في هذا البلد. وفي 30 أيار (مايو) 1961 قامت جماعة من عملاء شعبة المخابرات في وزارة الدفاع الأميركية برئاسة المقدم أنطونيو أمبرتو بقتل دكتاتور الدومينيكان.
وفي كانون الأول (ديسمبر) 1962 أجريت انتخابات عامة لرئاسة الجمهورية لأول مرة في تاريخ البلاد. وفاز في هذه الانتخابات خوان بوش. وهو شخصية سياسية ذات اتجاه لبرالي. ومن جديد تحركت الماكنة القاسية للعمليات التخريبية السرية التي تديرها واشنطن.
وفي 25 أيلول (سبتمبر) 1963 حدث انقلاب عسكري في البلاد أطاح بالرئيس بوش. واستلمت زمام السلطة زمرة عسكرية. وقد دبرت الانقلاب شعبة المخابرات في وزارة الدفاع لأميركية والممثلية العسكرية الأميركية.
وأثارت الأعمال القاسية المناهضة للديمقراطية وكذلك سياسة الزمرة العسكرية الموالية للأمبريالية استنكار الشعب بأسره. وفي 24 نيسان (أبريل) 1965 اندلعت في جمهورية الدومينيكان انتفاضة شعبية أسفرت عن انتقال السلطة إلى حكومة برئاسة المقدم فرانسيسكو كامانيو. وفي اليوم التالي أصدر الرئيس الأميركي جونسون أمراً بغزو القوات الأميركية لجمهورية الدومينيكان دون أن يهتم حتى بتقديم ذريعة مفتعلة.
وتوجهت إلى هذا البلد قوات تعدادها 40 ألف شخص تدعمها 275 طائرة و 50 سفينة حربية.
وفيما بعد، بعد إنزال المحتلين، استخدمت الصياغات المعتادة بشأن ضرورة "حماية الرعايا الأميركان" ومقاومة "مؤامرة" اشترك فيها 58 "شيوعياً" على حد زعم الزاعمين.
إلا أنه سرعان ما اتضح أن خرافة "المؤامرة الشيوعية" في جمهورية الدومينيكان كانت محض افتراء. فقد أثبت صحفيو أميركا اللاتينية الموضوعيون بسرعة أن الـ 58 "شيوعياً" الذين أدعت واشنطن بأنهم دبروا المؤامرة كانوا من صنع الخيال وأن بعض الأسماء هي أسماء… صبيان في الرابعة عشرة من العمر. ثم أن الأحداث في جمهورية الدومينيكان لم تكن عموماً تمت بأية صلة للحركة الشيوعية. فالكلام كان يدور، كما كتب الرئيس جونسون وليس غيره في مذكراته، عن عودة أنصار الرئيس خوان بوش المنتخب شرعياً في عام 1962 إلى السلطة.
وفي 24 أيار (مايو) حصل المحتلون على ستار "حقوقي" جديد للتغطية على أعمالهم. فبقرار من مجلس منظمة الدول الأميركية أحيلت وظائف "إحلال النظام" في البلاد إلى "قوات مشتركة" مؤقتة بإمرة الجنرال البرازيلي الفيم. وضمت هذه القوات التي تجاوز عددها 30 ألف شخص ألف جندي من البرازيل و 250 جندياً من هندوراس و 159 جندياً من نيكاراغوا و 21 جندياً م كوستاريكا أما الباقون فكلهم من العسكريين الأميركان. وفي هذه الظروف منيت انتفاضة شعب الدومينيكان بالهزيمة، فأخمدت وقتل أو سجن عشرات الآلاف من الوطنيين. وكان المقدم كامانيو الذي قاد الانتفاضة الشعبية في نيسان (أبريل) 1965 قد قتل غدراً في شباط (فبراير) 1973 على أيدي عملاء المخابرات المركزية.
أن الأحداث الفاجعة في غواتيمالا وجمهورية الدومينيكان هي أبلغ مثال على النماذج الصارخة لتنفيذ السياسة الإرهابية من قبل الولايات المتحدة إزاء جيرانها الجنوبيين، وهي السياسة التي تعتمد عليها في عدد من بلدان أميركا اللاتينية الدكتاتوريات العسكرية التي كانت ولا تزال تمارس التعسف والاستبداد.
وكان من أبشع مواليد الأمبريالية الأميركية في أميركا اللاتينية نظام "دوك الأب" الإرهابي، أي نظام فرانسوا دوفاليه في هايتي الذي تعاونت معه المخابرات المركزية تعاوناً وثيقاً. فخلال حكم دوفاليه (1957ـ 1971) والسنوات التي اعقبته، في عهد "دوك الابن"، وريثه جان كلود دوفاليه، أبيد أكثر من 50 ألفاً من أهالي هايتي.
وكانوا يعتبرون كل من يشتبه بمعارضته للنظام خائناً وشيوعياً. ونص القانون الذي أصدرته دكتاتورية دوفاليه على الإعدام بسبب النشاط المرتبط بنشر "أفكار الشيوعية أو الفوضوية" شفوياً أو تحريرياً، على الملأ أو على انفراد، في المحاضرات والخطب والمنشورات والمطبوعات وفي المراسلات الشخصية أو الرسمية. ويخضع لحكم الإعدام القساوسة والمبشرون والمدرسون وأصحاب المكتبات والمطابع والمسارح ودور السينما ـ كل من يعبر عما يعارض النظام ويقدم المساعدة أو يخبئ الأشخاص المشتبه بهم في رأي السلطات.
وخلال عقود من السنين استنزف نظام دوفاليه الأب والأبن البلاد بالمعنى الحرفي للكلمة. فبإشراف هذين الدكتاتورين شخصياً كان ينقل من هايتي إلى الولايات المتحدة يومياً خمسة أطنان من الدم كان أفراد وحرس دوفاليه (تونتون ـ موكوتو) الإرهابي يرغمون الجياع الخائرين على تسليمها خوفاً من الموت والتعذيب. ولا يدفعون لهم سوى ثلاثة دولارات للتر الواحد من الدم. وكانت الشركات الصيدلانية والكيماوية الأميركية "دو كيميكل" و"أيرمور فارماسيتيكل" و"لابوراتيرز كاتر" تزود المستشفيات الأميركية بهذا الدم وتتقاضى مقابله بين 50 و 70 دولاراً للتر الواحد.
وكان الكثيرون من حرس تونتون ـ موكوتو عبارة عن كلاب مسعورة للدكتاتورية الدموية يرغمون سكان هايتي على الخضوع بالإرهاب الوحشي وقد "تدربوا في أكاديمية ديترويت البوليسية في الولايات المتحدة".
وخلال الفترة من 1961 حتى 1975 تدرب في مختلف المراكز العسكرية في الولايات المتحدة على "مكافحة الأنصار" حوالي 100 ألف من جنود وضباط أميركا اللاتينية. وافتتحت مراكز أعداد القوات الخاصة بإشراف المستشارين العسكريين الأميركان في البرازيل وكولومبيا وبوليفيا وبلدان أخرى. وأرسلت إلى كافة بلدان المنطقة تقريباً مجموعات متنقلة من الأخصائيين الأميركان في عمليات "مكافحة الأنصار" والعمليات "السيكولوجي".
وتلقى هؤلاء المرتزقة تدريباً خاصاً يراد منه تعليمهم على الشطارة البالغة في استخدام السلاح. وكانوا مطالبين بممارسة القتل بلا رأفة، والتعلم على إجراء التحقيق "بتميز". كانوا يتدربون على إجادة القتال بالسلاح الأبيض بحيث يقتلون الخصم في غضون ثلاثين ثانية في أصعب الأوضاع.
وفي الستينات بدأت تعمل في عدد من بلدان أميركا اللاتينية "كتائب الموت" التي شكلتها وكالة المخابرات المركزية والمكونة من البوليس والغلمان الفاشيين والعناصر المتفسخة والمجرمين وعملاء الدوائر السرية الأميركية. وإذا عثر على جثث مشوهة في ضواحي بعض مدن أميركا اللاتينية أو على الطرق أو على ضفاف الأنهار فذلك يعني أن مرتزقة "كتاب الموت" كانوا هناك.
وأنشأت الدوائر السرية الأميركية في بلدان أميركا اللاتينية شبكة من المنظمات الإرهابية السرية التي يمارس أعضاؤها القتل لأسباب سياسية ويعملون على استنزاف الحركة التحررية.
وخلال السنوات الأخيرة وقع آلاف الأشخاص ضحية للاستهتار الذي أقدمت عليه السلطات العسكرية و"كتائب الموت" في السلفادور. ففي بداية الستينات، في عهد حكومة جون كندي، أسس عملاء المخابرات المركزية في السلفادور منظمتين تجسسيتين لرعاية "كتاب الموت". وطوال تلك السنين أوصلت المخابرات المركزية، خلافاً للقوانين الأميركية، أعداد وتمويل زعماء "كتائب الموت" وتزويدهم بالمعلومات التجسسية وبأدوات التعذيب.
وكان التدريب يجري أساساً في المركز التخريبي الأميركي في بناما. وهناك تشكلت بنية الخلايا القتالية "لكتائب الموت" الموجودة حالياً في الكثير من الحاميات ودوائر الشرطة في عدد كبير من بلدان أميركا اللاتينية.
وتشكلت في الوقت ذاته "بنيات" مماثلة لإبادة الوطنيين في نيكاراغوا في عهد الدكتاتور سوموسا، وفي غواتيمالا وغيرها من بلدان المنطقة ذات الأنظمة الموالية لأميركا.
وأطلق الصحفيون الغربيون نعت "بلد الكوابيس" على غواتيمالا التي تحولت إلى "مختبر للتعذيب" مارست فيه واشنطن حتى أمد قريب إتقان طرائق قمع النضال الوطني التحرري لشعوب بلدان أميركا الوسطى. وتفيد المعطيات الرسمية أن 30 ألفاً من مواطني غواتيمالا ضاع كل أثر لهم من بين 90 ألفاً ممن ضاعت آثارهم في جميع بلدان أميركا اللاتينية. ويضم هذا العدد ممثلي كل الفئات الاجتماعية ـ الفلاحين والعمال والمثقفين.
وفيما يخص الهنود الحمر الذين يشكلون 62 بالمائة من سكان غواتيمالا اكتسبت سياسة الإبادة الجسدية لخصوم النظام شكل الإبادة القومية. وطبقت السلطات سياسة "الأرض المحروقة" التي محت من سطح الأرض آلاف القرى وأبادت سكانها الهنود الحمر.
وكان تقرير التحقيقات الذي قدمته رابطة الحقوقيين الديمقراطيين الدولية إلى هيئة الأمم المتحدة في كانون الثاني (يناير) 1985 قد نعت غواتيمالا بأنها "بلد يحكم بواسطة الإرهاب والتخويف الذين تحولا إلى قانون ونجما عن سياسة التنكيل المنتظم بجميع أهالي غواتيمالا الذين يحاولون تنظيم أنفسهم للنضال أو توجيه انتقاد إلى الحكومة".
لقد خاض شعب غواتيمالا الباسل كل هذه السنين نضالاً متفانياً ضد الأنظمة العسكرية المتعاقبة. وبنتيجة هذا النضال استلمت السلطة في غواتيمالا حكومة مدنية في عام 1986.





علي اسمندر
الكاتب RE: طاعون القرن العشرين ومابعد
astqsa
عضو

المشاركات: 156
الاشتراك: 17.04.08
نشر في 23-06-2008 15:50
تحت حوافر "القنطور"*
لقد ظل إسقاط حكومة الوحدة الشعبية في شيلي وإقامة الدكتاتورية العسكرية الفاشية الدموية في هذا البلد صفحة سوداء في التاريخ المعاصر لأميركا اللاتينية وفي سجل علاقاتها مع الولايات المتحدة.
إن مثال شيلي كبير الدلالة. ففي هذا البلد بالذات استخدمت الأمبريالية الأميركية كل ما في جعبتها من وسائل التخيريب وطرائق الإرهاب أثناء تدبير الانقلاب الحكومي لإسقاط الحكومة المنتخبة شرعياً بالعنف. وقد أشار إلى أعداد هذه العملية "تقرير لجنة مجلس الشيوخ الخاصة بالتحقيق في نشاط دوائر المخابرات" الذي نشر في الولايات المتحدة الأميركية في عام 1975. ويتضح من التقرير أن "لجنة 40" (وهي أعلى هيئة للحكومة الأميركية مختصة بالإشراف على العمليات التخريبية السرية في الخارج، وقد سميت هكذا استناداً إلى رقم كتاب الرئاسة الذي تأسست بموجبه) قد وافقت في 25 آذار (مارس) عام 1970 على اعتماد 135 ألف دولار للنشاط الرامي إلى الحيلولة دون انتخاب سلفادور اليندي لرئاسة الجمهورية في شيلي. وفي 27 حزيران (يونيو) من العام نفسه خصص لهذا الغرض 300 ألف دولار أخرى بتوصية من أ. كوري السفير الأميركي في سانتياغو ومن وكالة المخابرات المركزية.
ورغم هذه المخصصات للأحزاب اليمينية أسفرت انتخابات 1970 عن فوز كتلة الأحزاب والمنظمات اليسارية ومرشحها سلفادور اليندي. وعلى أثر إعلان نتائج الانتخابات أعلن الرئيس الأميركي نيكسون في لقاء مع مدير وكالة المخابرات المركزية هيلمس أن "نظام اليندي" "لن" يكون "مقبولاً لدى الولايات المتحدة"، وكلف وكالة المخابرات المركزية باتخاذ كل الإجراءات للحيلولة دون استلام اليندي مقاليد الرئاسة.
وجاء في تقرير لجنة مجلس الشيوخ التي حققت في نشاط دوائر المخابرات أن "لجنة 40" وافقت في 14 أيلول (سبتمبر) 1970 على الحملة الدعائية الكبرى التي نظمتها وكالة المخابرات المركزية للتركيز على "الأضرار التي ستتكبدها شيلي في ظل حكومة اليندي".
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، بعد يومين من أداء اليندي اليمين القانونية كرئيس لشيليب منتخب شرعياً اتخذت "لجنة 40" في اجتماع سري قراراً بإسقاط حكومة الوحدة الشعبية واستخدام كل الوسائط والإمكانيات المتوفرة لدى الولايات المتحدة لهذا الغرض. وتوصل المحاضرون في الاجتماع إلى استنتاج يقول أن "عملية شيلي" تتطلب وقتاً طويلاً وينبغي أن تتكون من مرحلتين أساسيتين: "البلبلة"، أي خلق الفوضى الاقتصادية والسياسية في شيلي و"الفعل العسكري"، أي تصفية حكومة اليندي بقوة السلاح و"تطهير" شيلي فيما بعد من "الشيوعية".
وكانت خطة البلبلة التي وضعتها واشنطن قد نصت ليس فقط على إثارة الفوضى الاقتصادية في شيلي، بل وعلى خلق جو سياسي يجعل بالإمكان الحط من سمعة حكومة الوحدة الشعبية وأضعاف مواقعها وتكوين جبهة موحدة للرجعية الداخلية. وخلال فترة تسلم حكومة الوحدة الشعبية للسلطة (1970ـ 1973) أنفقت وكالة المخابرات المركزية 8 ملايين دولار على النشاط التخريبي ضد حكومة شيلي وعلى تدبير الانقلاب الفاشي. وبأموال المخابرات المركزية نظمت حملة التخريب الاقتصادية والمالي في البلد وحملة الدعاية الهدامة ضد حكومة الوحدة الشعبية.
ففي تشرين الأول (أكتوبر) 1972، مثلاً، دبر في البلاد إضراب أسواق الشاحنات الذي ألحق بالاقتصاد ضرراً بالغاً. واعترفت وثائق الكونغرس الأميركي بأن وكالة المخابرات المركزية هي التي مولت هذا الإضراب.
وبالإضافة إلى التخريب الاقتصادي والحملة الدعائية المسعورة المضادة للحكومة استأنف المخابرات المركزية نشاطها في شيلي وأرسلت إلى هناك عشرات من موظفيها الجدد النشطاء وبدأت تحضر بهمة لانقلاب عسكري وزودت المتآمرين بالمال والسلاح. وأطلق اسم الشفرة "القنطور" على خطة إسقاط حكومة الوحدة الشعبية. ونصت الخطة على دس أعداء الثورة في الدوائر الحكومية والمنظمات السياسية وممارسة الإرهاب ضد زعماء الوحدة الشعبية واستخدام القوات المسلحة الشيلية لإسقاط الحكومة بالعنف وقتل الرئيس اليندي وحاشيته.
ولم يكن تعويل واشنطن على العسكريين الشيليين من قبل الصدفة. فإن أكثر من 70 بالمائة من ضباط الجيش والأسطول في شيلي كانوا من خريجي الأكاديميات والمدارس العسكرية الأميركية، ومن بينهم بينوشيت خريج مدرسة "لاس أمير كاس" السيئة الصيت في منطقة قناة بناما. وبقدر تأزم الوضع السياسي الداخلي في شيلي أبدى البنتاغون اهتماماً متزايداً بأعداد القوات المسلحة المحلية للانقلاب. وخلال ثلاث سنوات (1971ـ 1973) ازداد عدد العسكريين الشيليين الذين درسوا في أميركا إلى ضعف ما كان عليه في السنوات الثلاث التي سبقت تلك الفترة.
وفي نيسان (أبريل) 1972 وضعت جماعة من العسكريين بإشراف الجنرال بينوشيت خطة تفصيلية للاستيلاء على السلطة في البلاد. وأطلق على خطة الانقلاب العسكري اسم الشفرة "خطة الفجر". وزودت المخابرات الأميركية المتآمرين بالمعلومات اللازمة, فقدمت لهم قوائم بالأشخاص المقرر اعتقالهم فور إعلان الانقلاب وقائمة بالمباني والمؤسسات التي يتعين الاستيلاء عليها فوراً وهلمجرا.
وفي 11 أيلول (سبتمبر) 1973 دبر في شيلي أبشع انقلاب عسكري فاشي شهده تاريخ أميركا اللاتينية. وقصفت قوات الزمرة الفاشية مقر رئاسة الجمهورية في شيلي ـ قصر لامونيدا بصواريخ "جو ـ أرض". وبعد الاستيلاء على قصر لامونيدا انهال المتمردون بوابل من الرصاص على جثة رئيس الجمهورية (فقد أصيب بـ 13 رصاصة). واتضح فيما بعد أن الذي أطلق النار على رئيس الجمهورية هو الكابتن غاريدو الذي تلقى تدربه مع مئات من الضباط الشيليين الآخرين في مدرسة خاصة في الولايات المتحدة الأميركية. وقامت دوائر المخابرات الأميركية والمنظمات الشيلية اليمينية المتطرفة بـ 14 محاولة لاغتيال اليندي قبل انقلاب 1973.
ولاقى نفس المصير الكثيرون من أنصار الرئيس اليندي الذي قتل ببشاعة. وفي عام 1974 دبر في يوينوس آيرس مقتل كارلوس براتس القائد العام السابق للقوات البرية الشيلية.
وفي أيلول (سبتمبر) 1976 انفجرت في واشنطن قنبلة في سيارة أورلاندو ليتيلير وزير الخارجية السابق في حكومة اليندي. وتحت ضغط الرأي العام اضطرت السلطات القضائية في واشنطن إلى البدء بالتحقيق. واتضح في آخر المطاف أن ليتيلير قتل بمؤامرة دبرتها منظمة "كوندرو" الإرهابية اليمينية المتطرفة. وكان نائب مدير وكالة المخابرات المركزية والمندوب الدائم للولايات المتحدة حالياً في هيئة الأمم المتحدة الجنرال "فيرنون ولتيرس" أحد مؤسس هذه المنظمة التي ظهرت إلى الوجود في أواسط السبعينات. وبالإضافة إلى الوطنيين الشيليين قتل على أيد المجرمين من أعضاء "كوندور" الشخصية السياسية التقدمية ورئيس جمهورية بوليفيا توريس والسياسيان الديمقراطيان في أورغواي ميشيليني وغوتيريس وريس وعدد من زعماء المعارضة في غواتيمالا والأسقف السلفادوري روميرو.
وكانت الحصيلة الإجمالية للانقلاب الذي دبرته ومولته الولايات المتحدة في شيلي هي 40 ألف قتيل وأكثر من 200 ألف معتقل تعرضوا للتعذيب وعشرات الآلاف من الذين زج بهم في غياهب السجون والمعتقلات وأكثر من مليون شخص فروا من وحشية الزمرة إلى البلدان المجاورة.
إن النشاط التخريبي الأميركي في شيلي، بما فيه تدبير الانقلاب الحكومي وتشكيلة الأعمال الإرهابية وتأسيس المنظمات الإرهابية الخاصة (تمويلها وتسليحها وقيادتها)، إنما هو مثال واحد من الأمثلة التي ظهرت للعلن. وهو، كعنصر من عناصر السياسة الخارجية الأميركية، يتسم بأهمية شاملة، كما تؤكد بوضوح استنتاجات تقرير لجنة مجلس الشيوخ الآنف الذكر: "إن نموذج النشاط التخريبي الأميركي في شيلي مدهش، لكنه ليس الوحيد من نوعه. وقد غدا هذا النشاط ممكنا ليس فقط في سياق السياسة الخارجية الأميركية, بل وكذلك في العمليات التخريبية للولايات المتحدة الأميركية في البلدان الأخرى سواء في أميركا اللاتينية أم في خارجها"*.
إن الدكتاتوريات الدموية المعادية للشعب في مختلف بلدان أميركا الوسطى وأميركا اللاتينية والتي استولت على السلطة بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية إنما هي جزء لا يتجزأ من المنظومة العالمية للأكراه الأمبريالي الموجه ضد الشعوب الأخرى. وإن هذه الأنظمة الاستبدادية التي تمولها الولايات المتحدة وتسلحها بسخاء تلعب دور السجانين والجلادين لشعوبها وتطبق طرائق العنف المتبع في السياسة الخارجية الأمبريالية على سياستها الداخلية اليومية فتجعل الإرهاب من ممارسات إدارة الدولة.
.. ويوضح أهالي أميركا اللاتينية بحزن وأسى أسباب المصائب والويلات الكثيرة التي وقعت على شعوبهم بذنب الولايات المتحدة قائلين: "ما أبعدهم عن الله وما أقربهم إلى الولايات المتحدة". إلا أن الشعوب في العديد من البلدان الأخرى الواقعة على بعد آلاف الكيلومترات عن الولايات المتحدة تواجه ظواهر وعواقب سياسة الإرهاب الرسمي التي تطبقها واشنطن وتكشف آثار الإرهاب الذي تصدره الولايات المتحدة ويمارسه صنائع واشنطن أو مبعوثوها المباشرون من قوات الانزال البحري أو ذوي "الطاقيات الخضراء" أو "الأميركيين الوادعين" الذين يرتدون الثياب المدنية.




4ـ الشركة الإرهابية
"أبطال" لانغلي
أثبت ريغان، وهو يتحدث في مراسيم وضع حجر الأساس للبناية الجديدة لوكالة المخابرات المركزية في لانغلي في حزيران (يونيو) 1984، بأن الإدارة الأمريكية لا تبخل بالملايين على دائرتها الرئيسية المختصة بالجاسوسية والتخريب، بل ولا تبخل بأجزل المدائح لها. فقد وصف الرئيس الأميركي العاملين في وكالة المخابرات الأميركية "بالأبطال" و"بأعين وآذان العالم الحر"، بل و"حماته الرئيسيين". وكل شخص حر طبعاً في اختيار الأبطال على ذوقه وحسب ميوله.
فمن هم في الواقع، "أبطال" المخابرات المركزية هؤلاء، وما هو ذلك العالم، أو على الأصح النظام الاجتماعي الذي لا يكتفون بالدفاع عنه بل يحاولون أن يفرضوه على البشرية جمعاء؟
إن لدى وكالة المخابرات المركزية تصوراتها الخاصة عن الجغرافية والتاريخ. فلا توجد بالنسبة للمخابرات المركزية حدود بين الدول. وخصوصاً إذا كانت لا تروق للبيت الأبيض، كما لا توجد حدود بين الجائز وغير الجائز في معاملة الشعوب الأخرى إذا كانت تتصرفي بشكل لا يروق لواشنطن.
إن إيران وشيلي وغرينادا بالنسبة لوكالة المخابرات المركزية ليست مسميات لبلدان مستقلة بل أسماء شفرة للانقلابات الحكومية التي دبرتها الولايات المتحدة الأميركية. فإن فييتنام هي ميدان لعملية "فينيكس" التي خططت لها المخابرات المركزية والتي أبيدت خلالها عشرات الآلاف من الأهالي المسالمين. وإن شيلي هي خطة "القنطور" التي استهدفت إسقاط الحكومة الشرعية.
ومنذ تأسيس وكالة المخابرات المركزية في عام 1947 غدت تلك الوكالة الهيئة الأساسية لدى الحكومة الأميركية لأعداد وتطبيق الأعمال التخريبية الهدامة ضد البلدان الأخرى واغتيال رجالات الدولة الأجانب وبث الاشاعات والإفتراءات. وجاء في مقابلة لهيئة تحرير "النيويورك تايمس" في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975 "أن هذه الهيئة التابعة للحكومة الأميركية لها ضلع في أفعال تتعارض مع أي من أصول الأخلاق الدولية والدبلوماسية".
وإلى جانب وكالة المخابرات المركزية تشكل الدوائر الخاصة والسرية الجزء الهائل الغاطس من الكتلة الثلجية العائمة لسياسة الدولة في الولايات المتحدة الأميركية. وتفيد التقديرات المتوفرة أن أكثر من 10 من مختلف الدوائر الخاصة الأميركية تضم أكثر من 200 ألف موظف ثابت وكذلك عدة مئات من آلاف المخبرين الأجانب والمرتزقة في مختلف أرجاء العالم. وتدبر هذه الدوائر الانقلابات الحكومية والمؤامرات وتختطف وتقتل رجالات الدولة والشخصيات الاجتماعية التي لا تروق لواشنطن وترسل العصابات إلى البلدان ذات الأنظمة التقدمية وتقود "كتائب الموت" التي شكلتها الأنظمة الدكتاتورية لقمع حركة التحرر الوطني للشعوب وتعد وتخوض الحروب غير المعلنة ضد الدول التي اختارت طريقاً مستقلاً.
إلا أن الهيئة الأساسية للحكومة الأمبريالية المتخصصة مهنياً بالقيام بمختلف أعمال الإرهاب في السياسة الخارجية هي مع ذلك وكالة المخابرات المركزية الأميركية. فهذه الوكالة نفسها، على حد تعبير الشخصية الحكومية والاجتماعية الايرلندية البارزة شون ماكبرايد الحائز على جائزة نوبل وجائزة لينين للسلام، "تعمل كالمافيا السرية التي تدبر الاغتيالات السياسية وتشن الحروب في البلدان الأخرى وتعبئ تشكيلات من المرتزقة لإسقاط الحكومات الشرعية وخلق البلبلة في المجتمعات والحكومات والمنظمات التي لا تروق لها"*.
وتفيد المعطيات الرسمية أن عدد المستخدمين في وكالة المخابرات المركزية يبلغ 18 ألفاً، وأن ميزانيتها السنوية تبلغ عدة مليارات من الدولارات. إلا أن هذه الحسابات لا تشمل "الموظفين خارج الملاك" في مختلف البلدان، وكذلك اعتمادات أجزاء العمليات الكبيرة جداً من خلال المصالح والدوائر الأخرى.
إن وكالة المخابرات المركزية دولة في دولة ولديها مراكز للبحث العلمي ومؤسسات صناعية ووسائ إعلام ومطارات وقواعد تعبوية خاصة بها ومتواجدة في العديد من مناطق العالم. وغالباً ما عمل عند هذه الوكالة الحكومةي مجرمون وقتلة مرتزقة وغيرهم من "الأخصائيين" أي المجرمين الجنائيين.
وقد تشكى السياسي الأميركي المعروف السناتور هونديل ذات مرة من أن معرفة حقيقة وكالة المخابرات المركزية تضاهي محاولة تعليق المربى على الجدار بدبوس. إن أسرار لانغلي التي يقع فيه مقر هذه المنظمة محفوظة بكتمان شديد. وفي حزيران (يونيو) 1982 وقع الرئيس الأميركي قانوناً ينص على المعاقبة على إفشاء أسماء العاملين فيها بالسجن مدة عشرة سنوات وبغرامة قدرها 50 ألف دولار إلا أن فضائح الإخفاق على الصعيد الدولي وافتضاح العمليات الإجرامية في الولايات المتحدة نفسها واعترافات الموظفين الثابتين والعملاء المأجورين قد غدت مصدراً لمعلومات واسعة عن وكالة المخابرات المركزية.
إن وكالة المخابرات المركزية ليست منظمة استطلاعية بالمعنى الضيق لهذه الكلمة. ويقول الموظف السابق في وكالة المخابرات" ماكخيغي" في كتابه "الموت والأكاذيب في وكالة المخابرات المركزية": "لقد تأكدت من خبرة العمل طوال 25 عاماً في المخابرات المركزية أن هذه الوكالة ما هي إلا هيئة للعمليات السرية للرئيس الأميركي". ومنذ سنوات عديدة يوجه القسم الأكبر من الاعتمادات المخصصة لوكالة المخابرات المركزية وجهود أغلبية موظفيها بالدرجة الأولى لتنفيذ العمليات السرية. بما فيها دعم المستبدين وإسقاط الحكومات المنتخبة بالطرق الديمقراطية. ومع أن تسمية وكالة المخابرات المركزية تشير إلى أنها دائرة استطلاعية فقد تخصصت أساساً بالعمليات السرية منذ لحظة تأسيسها. والأكثر من ذلك فإذا تمعنا بدقة في البينة التنظيمية للوكالة ونشاطها ينشأ انطباع وكأن الوكالة قد انشئت بالذات لأجل العمليات السرية وليس لغرض الاستطلاع ومكافحة الجاسوسية.
فما هي هذه العمليات السرية؟ إليكم ما قاله عنها السناتور ج. ماركز مؤلف كتاب معروف آخر بعنوان "وكالة المخابرات المركزية وعبادة الاستطلاعات" في كلمة ألقاها في إحدى لجان الكونغرس: "إن وكالة المخابرات تمارس عمليات تخريبية ومكائد قذرة مثل شراء ذمم الحكومات الأجنبية والاغتيالات السياسية والارتباط بالمافيا والمشاركة في التهريب الدولي للمخدرات والتسلل إلى المنظمات الطلابية وقيادة المنظمة النقابية ـ اتحاد العمل الأميركي ـ مؤتمر النقابات الإنتاجية وتشكيل جهاز تخريبي هائل في العالم الثالث". ففي بعض الحالات تتلخص العمليات السرية في تقدم المساعدات العسكرية والمالية وإرسال المستشارين إلى جيوش البلدان التي تسعى إلى إخماد حركة التحرر الوطني، وفي حالات أخرى تتلخص في الدعم الشامل للعصابات وزمر وجماعات المرتزقة وغيرها من العناصر التخريبية التي تتمرد على الحكومات الشرعية التي لا تروق للولايات المتحدة. ويقول الكاتب الأميركي ف. دونر في كتابه "عصر التجسس" إن وكالة المخابرات المركزية سجلت في العقود الثلاثة الأخيرة رقماً قياسياً في العمليات التخريبية وكذلك في التدخل في الشؤون الداخلية لمختلف بلدان العالم.
وقد تأسست دائرة العمليات السرية في وكالة المخابرات المركزية في مطلع عام 1960 وقد كلفت هذه الدائرة بالذات بإجراء الأعمال الإرهابية ضد رجالات الدولة والساسة في البلدان الأخرى وغير ذلك من أعمال الإرهاب الرسمي التي تنفق عليها وكالة المخابرات المركزية أموالاً أكثر بكثير مما تنفق على جمع المعلومات ومكافحة الجاسوسية. فقد بلغت النفقات على الانقلاب في شيلي "70ـ 80 مليون دولار". وبلغت نفقات التأثير في سير العمليات السياسية في إيطاليا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية "30ـ 40 مليون دولار". وبلغت المساعدات المقدمة إلى المنظمات الإرهابية في أفريقيا 20 مليون دولار في العام. وأمنت المعونات النقدية الهائلة تأثير وكالة المخابرات المركزية على الجرائد والأحزاب في البلدان الأجنبية. وتمول الوكالة إصدار الكتب وتستأجر لأجل الاغتيالات قتلة من المجرمين وترسل الأسلحة والطائرات والمتفجرات إلى عملائها وصنائعها في البلدان النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
وأشار الموظف السابق في جهاز مجلس الأمن القومي هاملتون إلى أن عمليات وكالة المخابرات المركزية عموماً هي عبارة عن تطبيق الولايات المتحدة الأميركية للسياسة الخارجية السرية بدون رقابة اجتماعية وقال "إن العمليات السرية التي لا ينبغي الخلط بينها وبين جمع المعلومات الاستطلاعية في الخارج تضم طائفة واسعة من النشاطات السياسية والدعائية والاقتصادية والثقافية وشبه العسكرية التي تطلق عليها تسمية أوسع هي "الأساليب القذرة"*.
وكتب السيناتور تشيرتش رئيس لجنة مجلس الشيوخ الأميركي الخاصة بالتحقيق في نشاط المخابرات الأميركية يقول عن وكالة المخابرات المركزية: "أسقطنا حكومة غواتيمالا عندما انتهجت القوى اليسارية في هذا البلد نهجاً لا يرضينا، وحاولنا أن نشغل نيران الحرب الأهلية ضد سوكارنو في أندونيسيا، وتدخلنا في الشؤون الداخلية لإيران لإعادة الشاه إلى العرش بعد أن أمم مصدق شركات النفط البريطانية في إيران، وحاولنا أن ندير انقلاب الردة في كوبا عن طريق انزال جيش المرتزقة غير الموفق في خليج كوتشينوس، بل وخضنا الحرب السرية في لاؤوس مستخدمين لهذا الغرض عشائر ميو والمرتزقة من تايلاند".**
ومنذ أمد قصير نشرت في الولايات المتحدة تصريحات المدراء السابقين لوكالة المخابرات المركزية هيلمز ويوش وكولبي. ويتضح من أقوالهم المفعمة بالتبجح أن أعمال وكالة المخابرات المركزية التخريبية والتنكيلية تتسم من زمان بطابع شامل. ولو أرادت الوكالة أن تقول الحقيقة ذات مرة عن سياستها لاضطرت، كما يقول رالف ماكخيغي، إلى أن تعترف بأنها تفرض على الشعوب الأخرى حكومات معادية لها وتسلح جيوش هذه الحكومات وتساعدها في تشكيل بوليس قوى لتتمكن من قمع الشعوب الرافضة، ولاضطرت إلى الاعتراف بأن الزعماء الذين استلموا السلطة بمساهمة وكالة المخابرات المركزية يمثلون مصالح فئة ضئيلة من السكان وأن هذه الزمرة من القتلة تعذب وتنهب شعوبها وتبذل كل ما في وسعها للحفاظ على امتيازاتها.
عندما سألوا جون ستوكويل، أحد المشرفين السابقين على مجموعة وكالة المخابرات المركزية في أنغولا، عن عدد الحروب السرية التي شنتها المخابرات المركزية، في رأيه، أجاب بأن العالم لن يعرف بذلك أبداً، لأن أحداً لم يحص تلك الحروب. ففي بلدان "العالم الثالث" وحده, على حد تعبير ستوكويل، تجري وكالة المخابرات المركزية سنوياً بضع مئات من العمليات السرية.
ويقول ستوكويل أن العدد الإجمالي للقتلى في هذه الحروب السرية لا يقل عن مليون شخص. وقد كان في أغلب الظن يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين شخص. ففي سياق العملية الأندونيسية وحدها قتل 800 ألف شخص. ثم جرت العمليات في الكونغو وإيران، ثم في غانا والبرازيل وشيلي وكوريا والفييتنام ولاؤوس وتايلاند.. أضف إلى ذلك أولئك الذين قتلوا في الحروب و 5 ملايين شخص آخرين غدوا معوقين أو أصيبوا برجة عصبية شديدة. والقليلون جداً من هؤلاء كان بوسعهم أن يقدموا تعريفاً أولياً للماركسية أو اللينينية أو يوضحوا معناهما. لكنهم يعرفون جيداً معنى العيش في عالم تسيطر عليه الولايات المتحدة، كما يقول ستوكويل في الختام.
بموافقة الرئيس
لا تزال الدول الاشتراكية تمثل الهدف الدائم للدوائر التخريبية الأميركية. ومن المناسب أن نعيد إلى الأذهان أن المشرفين على وكالة المخابرات المركزية كانوا منذ تأسيسها يعتبرون ممارسة العمل التخريبي ضد اليابان الاشتراكية واحدة من مهماتهم الرئيسية الملحة. فقد اعترف المدير السابق لشعبه مكافحة الجاسوسية في وكالة المخابرات المركزية ج. أغلتون بأن هذا الدائرة مارست طوال سنين عديدةُ تشكيل وتدريب جماعات سرية شبه عسكرية بغية إرسالها فيما بعد إلى البلدان الاشتراكية الأوروبية من أجل استثارة ما يسمى بالانتفاضات الوطنية وإسقاط النظام الاشتراكي في هذه البلدان.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1951 وقع الرئيس الأميركي قانون "ضمان الأمن المتبادل" الذي تنص إحدى مواده "على تخصيص مبلغ لا يتجاوز 100 مليون دولار لتمويل أية أشخاص مختارين يقيمون في الاتحاد السوفييتي وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبلغاريا وألبانيا… أو الأشخاص الذين فروا من هذه البلدان أو لتوحيدهم في تشيكلات القوات المسلحة الموالية لمنظمة معاهدة شمال الأطلسي أو لأغراض أخرى".
وخلال العقود المنصرمة لم تتغير كثراً أهداف نشاط المخابرات المركزية التخريبي الموجه ضد بلدان الأسرة الاشتراكية. وتنطلق المخابرات المركزية في تنظيم وممارسة العمل بهذا الاتجاه من آمال لا مبرر لها في تغيير النظام الاجتماعي في هذه البلدان. وحتى بعد إخفاق قوى الردة في بولونيا أعلن الاستراتيجيون الأميركان أنهم لا ينوون التخلي عن مخططاتهم.
فقد أكد سونينفيلد الأخصائي الأميركي المعروف في الشؤون السياسية، مثلاً، أنه "ستكون هناك بعد بولونيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا محاولات أخرى لا نهاية لها ولا آخر". وانطلاقاً من ذلك تمارس المخابرات المركزية، إلى جانب العمليات التجسسية في هذه الدول، تشكيل وتعزيز جماعات وحركات المعارضة ذات الطابع المعادي للاشتراكية وتقوم بتنظيم الغزو الإيديولوجي.
وتبدي المخابرات المركزية اهتماماً ببلدان أوروبا الغربية، بما فيها أقرب حلفاء الولايات المتحدة. فالمخابرات المركزية لا تكتفي بالعلاقات الوثيقة مع الدوائر السرية في بلدان الناتو، بل تمكنت من التسلل إلى جهاز الدولة والأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية والصحافة والنقابات والمنظمات الشبابية والطلابية والثقافية والكنائس والجيش، أي في الواقع إلى كل ميادين الحياة في العديد من دول العالم القديم. والأكثر من ذلك تسلل عملاء المخابرات الأميركية عن طريق زملائهم الأوربيين في عدد من البلدان إلى المنظمات السرية الإرهابية الفاشية الجديدة واليسارية المتطرفة والقومية، بل وحتى إلى عالم الإجرام المنظم الذي يستخدمونه لأغراضهم.
وتصدر الولايات المتحدة الأميركية الإرهاب بنشاط إلى البلدان الرأسمالية الأخرى التي تدعم فيها المخابرات المركزية المتطرفين اليمينيين،وكذلك المتطرفين اليساريين عندما يكون ذلك في صالحها. ومن الطرائق الاستفزازية المحببة التي تلجأ إليها الدوائر السرية الأميركية في هذه البلدان تسلل عملائها إلى المنظمات المتطرفة والتحكم بهذه المنظمات بغية تأزيم الموقف الاجتماعي والسياسي والحط من سعة القوى اليسارية وتدوير محاور الحياة السياسية نحو اليمين.
وفي أواخر 1978 عثرت مجلة "أوروبيو" الإيطالية على توجيه سري من البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية برقم "م ـ 30ـ 31" حول إرسال العملاء المختصين إلى مختلف المنظمات الراديكالية، ونشرت هذا التوجيه. وكتبت المجلة تقول أنه في بداية 1960 عندما أخذت أولى الجماعات اليسارية تمارس العمل السري وتقيم اتصالات دولية اتخذت الدوائر الخاصة الأميركية قراراً بالتسلل إلى هذه الجماعات بغية دفعها لارتكاب الأعمال الإرهابية.
وأورد العميل السابق لوكالة المخابرات المركزية غونزاليس ـ ماتا في كتابه "أسياد العالم الحقيقيون" مقتطفات من "الكتاب الدراسي الميداني للدوائر السرية المشاركة في عمليات الاستقرار" والذي راجعه الجنرال الأميركي ويستمورلند. وقد كرس فصل خاص من هذا الكتاب لطرائق التسلل إلى الحركات الثورية. وجاء في الفصل المذكور: ".. يجب على الدوائر السرية أن تؤمن تسرب المخبرين المختصين إلى التيارات التخريبية بغية تشكيل مجموعات عمل من أكثر العناصر راديكالية. وتبدأ هذه المجموعات بإشراف الدوائر السرية. بممارسة أعمال العنف أو غيرها من الأعمال ـ حسب الظروف.. إن استخدام المنظمات اليسارية المتطرفة يمكن أن يؤدي إلى الهدف المنشود". ويقول غونزاليس ـ ماتا "أفليس القيام بمختلف الأعمال الإرهابية "الثورية" الكثيرة في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا تنفيذاً لهذه التوجيهات؟" وعلقت مجلة "تريومفو" الأسبوعية الصادرة في مدريد على هذه الوثيقة وكتبت تقول أن التوجيهات التي تضمنتها والمقدمة إلى العملاء الأميز كان ذات أهمية بالغة لتوضيح الأحداث والأزمات وتفشي الإرهاب في السنوات الأخيرة في مختلف مناطق العالم.
إن الارتباط بمختلف المنظمات المتطرفة وكذلك خدمات الاستفزازيين المرتزقة تطبق بنشاط من قبل الدوائر السرية الأميركية للتحكم بالإرهابيين من مختلف الاتجاهات السياسية. وتستخدم واشنطن بدورها استفزازاتهم وجرائمهم ذريعة لتبرير التدخل السافر في شؤون الشعوب الأخرى. وقد حدث ذلك، مثلاً، أثناء الغارة القرصنية لسلاح الجو الأميركي على المدن الليبية الآمنة في نيسان (أبريل) 1986. تلك الغارة التي كانت ذريعتها تفجير نادي الجنود الأميركان في برلين الغربية من قبل أشخاص مجهولين.
وتشكل الاغتيالات وقتل الأجانب "غير المرغوب فيهم" جزءاً لا يتجزأ من سياسة الإرهاب الرسمي التي طبقتها الحكومة الأميركية بواسطة وكالة المخابرات المركزية. ففي بداية الستينات شكلت المخابرات المركزية وحدة خاصة كلفت بقتل الزعماء الأجانب غير المرغوب فيهم. وكانت مهمتها تتلخص في البحث عن العملاء المنفذين وفي وضع "طرائق الإبادة" التي يمكن أن تستخدم. وكان الهدف الرئيسي للاغتيالات يتمثل في الأشخاص الذين يحولون دون بلوغ المقاصد السياسية الأميركية.
وتضمن التقرير الرسمي للجنة الكونغرس الأميركي اعترافاً بالمسؤولية المباشرة التي تتحملها الدوائر السرية الأميركية عن مؤامرات دبرت لاغتيال خمسة زعماء أجانب هم لومومبا ونغو دين زيم وتروخيليوو وكاستروا والجنرال رينيه شنيدير. أما في الواقع فإن قائمة ضحايا وأهداف المخابرات المركزية أكبر من تلك بمرات عديدة. فإن "أبطال" المخابرات المركزية ومرتزقتها بالذات هم الذين عذبوا وقتلوا الأبطال الحقيقيين الذين تركوا أثراً في تاريخ وفي ذاكرة شعوبهم ـ "شي غيفارا وموندلاني واليندي وكثير من زعماء النضال الوطني التحرري الذين تحدثنا عنهم في هذا الكتاب".
ومما له دلالته أن تفاصيل متزايدة عن المؤامرات الرامية إلى اغتيال "الأجانب غير المرغوب فيهم" صارت بمر الزمن معروفة للرأي العام العالمي. "فإن المدير السابق لشعبة العمليات السياسية في وكالة المخابرات المركزية مايلز كوبلاند قال في حديث صحفي إلى مجلة "رولنغ ستون" في كانون الأول (ديسمبر) 1986 أنه شخصياً، وبتوجيه تلقاه من البيت الأبيض مباشرة في عام 1956، درس إمكانية قتل الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وكانت الخطة تنص على أن كوبلاند أثناء لقائه بعبد الناصر يجب أن يشاغل الرئيس المصري ويتأكد من إمكانية وضع قرص السم بشكل غير ملحوظ في فنجان القهوة المقدم إليه. وقد جرت في السنوات التالية أيضاً محاولات لاغتيال الزعيم المصري. إن ملابسات وفاته غامضة جداً. لأن هناك معلومات تقول إن الطبيب جمال عطيفي الذي عمل لصالح المخابرات الإسرائيلية قد سممه بمروخ خاص استحضرته وكالة المخابرات المركزية وهو يوقف عمل القلب".
وأفاد كوبلاند كذلك إن مستحضراً خاصاً ذا مفعول نفساني قد دس من قبل عميل وكالة المخابرات المركزية في قولونيا الرئيس الأندويسي سوكارنو، وتحدث عن استخدام مختلف المواد السامة التي استحضرت في مختبرات وكالة المخابرات المركزية لإضفاء "طابع الوفاة الطبيعية" على الاغتيال السياسي. ويقول أنه يكفي لذلك، مثلاً، أن تعالج رسالة بمادة معينة ثم ترسل إلى الضحية. ويبدأ مفعول السم حالما يستلم الشخص الرسالة دون أن يعلم شيئاً. وبواسطة المستحضرات يمكن أن تستثار لدى الضحية حساسية جلدية على كل شيء في الواقع ـ على أقراص الأسبرين وحتى على الشاي والقهوة. ويمكن أن تكون الحساسية شديدة تجعل الشخص الذي يتعرض لها يموت حالما يستخدم كمية غير كبيرة من الطعام "الخطر" بالنسبة له.
وقام عملاء المخابرات المركزية بـ 24 محاولة لاغتيال زعيم الثورة الكوبية فيديل كاسترو. حاولوا أن يقتلوه بالسلاح الناري وبالقنابل اليدوية والألغام والسجائر المسمومة وأقراص السم وبدلة الغوص الملوثة بجراثيم السل.
وكان مقرراً القيام بإحدى محاولات اغتيال فيديل كاسترو أثناء إلقاء خطاب في اجتماع حاشد. وأعد لهذا الغرض مدفع أرادوا أن ينصبوه في دار قرب جامعة هافانا.
وبناء على موجة الاستنكار العام الشديد لنشاط وكالة المخابرات المركزية التخريبي اللاقانوني اتخذ الكونغرس الأميركي في كانون الأول (ديسمبر) 1974 قراراً خاصاً نص على أن وكالة المخابرات المركزية لا يجوز أن تلجأ إلى العمليات السرية إلا إذا وجد الرئيس الأميركي نفسه خطراً على أمن الولايات المتحدة، وفي كانون الثاني (يناير) 1978 أصدر الرئيس كارتر مرسوماً خاصاً يمنع وكالة المخابرات المركزية من المشاركة في مؤامرات اغتيال الزعماء الأجانب. إلا أن الوقائع تدل على أن الولايات المتحدة لم تتخلى أبداً عن ممارسة الاغتيالات السياسية وأن هذه الممارسة ليست نتيجة لأعمال أشخاص لا يشعرون بالمسؤولية من دائرة التجسس والتخريب الأميركية، بل هي إرهاب رسمي يجر بموافقة كبار زعماء البلاد. وقد توصل إلى هذا الاستنتاج البروفسور ساتيش كومار الأستاذ في مدرسة الدراسات الدولية التابعة لجامعة جواهر لآل نهرو في دلهي. فقد كتب في مؤله "وكالة المخابرات المركزية والعالم الثالث. تحليل الدبلوماسية السرية" الصادر في دلهي عام 1981 أن أغلبية اغتيالات أو محاولات اغتيال زعماء البلدان النامية قد جرت بموافقة رؤساء الولايات المتحدة الأميركية.
جولات "البطوط البرية"
يشكل استخدام المرتزقة الذين ينعتون "بالبطوط البرية" صفحة خاصة في النشاط التخريبي الذي تمارسه وكالة المخابرات المركزية ضد الدول المستقلة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. إن هذه الممارسات التي استنكرها الرأي العام العالمي بحزم وشجبتها قرارات الأمم المتحدة قد طبقت على نطاق واسع من قبل الولايات المتحدة، وخصوصاً عندما تريد واشنطن التغطية على اشتراك الولايات المتحدة اشتراكاً نشيطاً في هذا النزاع الدولي أو الداخلي أو ذاك.
إن القانون الدولي المعاصر يعتبر المرتزقة مجرمي حرب. وهذا التعريف يطابق تماماً طابع نشاطهم الذي يتلخص في الاستفزازات المسلحة والنهب والعنف وأعمال الهدم والتخريب. وقد استخدمت وكالة المخابرات المركزية "جنود الحظ" هؤلاء في انغولا وشيلي وروديسيا وغواتيمالا. وقد باعوا خدماتهم للأنظمة الدكتاتورية في أميركا اللاتينية وفي آسيا. ومع أن خدمة المواطنين الأميركان تحت راية دولة أجنبية تعتبر رسمياً أمراً مخالفاً للقانون فلم يحيلوا إلى المحكمة ولا مرتزقا واحداً من المرتزقة الأميركان.
وإليكم ما كتبته مجلة "كافيرت أكشن" الأميركية عن دور الولايات المتحدة في تعبئة وتدريب واستخدام "جنود الحظ": "إن المرتزقة جنود يستخدمون لقاء أجرة معينة. ويزج بهم في كفاح لا يستطيع البلد الذي يستأجرهم أن يخوضه (علناً ـ ملاحظة المؤلف) .. وتظهر حاجة شديدة إلى المرتزقة في المواقف التي لا تمت فيها سياسة الحكومة الفعلية بأية صلة إلى السياسة التي تعلنها. وفي السبعينات كانت الولايات المتحدة رسمياً كأنما على خلاف مع حكومة يان سميث الروديسية العنصرية في جنوب أفريقيا. إلا أن المخابرات المركزية والجيش الأميركي أمنا ليان سميث سراً إرسال المرتزقة لمكافحة القوى التحررية. كما عمل مرتزقة المخابرات المركزية في أنغولا المجاورة…
… وتستخدم المخابرات المركزية المرتزقة حالياً في أميركا الوسطى. ومنهم عنصريون بيض من القسم الجنوبي من الولايات المتحدة وقدامى المتحاربين الذين كانوا قد شاركوا في حروب أنظمة الآبار تهيد (وخصوصاً حكومة يان سميث الروديسية) في جنوب أفريقيا، وأعضاء مختلف المنظمات الكوبية المهاجرة المعادية للشيوعية وأفراد الحرس القومي القدامى وموظفو البوليس السري في عهد سوموسا دكتاتور نيكاراغوا وغيرهم من المجرمين والقتلة المأجورين. وكلهم من المجرمين المحترفين. وهم يقاتلون في دور المرتزقة الآن بالأساس ضد سكان نيكاراغوا وسلفادور. ومهمتهم هي إرهاب الشعب وليس جذب العقول والأفئدة. فهم يختطفون الناس ويعذبونهم ويذبحونهم بالجملة وأحياناً يقتلون الرجال على مرأى من زوجاتهم وأطفالهم، ثم يمثلون بالجثث…
أن "جنود الحظ" يقترفون في كل مكان الجرائم الوحشية ضد الشعوب المناضلة في سبيل التحرر من نير الأمبريالية"*.
ومعروف جيداً أن لدى المخابرات المركزية شبكة واسعة من المدارس والمعسكرات الخاصة داخل الولايات المتحدة وخارجها لإعداد جيش الإرهابيين من مختلف البلدان. وتوجد مراكز تدريب لوكالة المخابرات في قواعد الجيش الأميركي في "فورت ـ براغ (ولاية كارولينا الشمالية) وفورت بينينغ (جورجيا) وفورت ـ لويس (واشنطن) وفورت ـ سكوت (كنزاس) وترينيداد (كولورادو). وفي الوقت الحاضر يعمل في عشر من الولايات الأميركية حوالي 25 معسكراً و 130 مدرسة "خاصة" من هذا النوع لإعداد الإرهابيين.
وتعمل في واشنطن الأكاديمية البوليسية الدولية وعدد من المؤسسات التعليمية المماثلة في أماكن أخرى. وتدرب على يد المدربين الأميركان أكثر من 10 آلاف شرطي وضابط شرطة أجنبي.
والدليل الجديد على أن المراكز المختصة بإعداد القتلة والمخربين المحترفين تعمل في الولايات المتحدة بموافقة السلطات هو النبأ الذي أعلن عن وجود معسكر لتدريب الإرهابيين في ولاية الاباما. ففي هذا المعسكر، مثلاً، جرى تدريب المتطرفين السيك الذين فجروا في حزيران (يونيو) 1984 طائرة هندية فوق المحيط الأطلسي، مما أسفر عن مقتل 329 شخصاً.
ورغم استنكار واحتجاجات الرأي العام الهندي والعالمي لا تفكر الإدارة الأميركية بغلق هذا المعسكر ولا بغلق مثيلاته من "أوكار الزنابير" التي يتوجه منها المخرجون والإرهابيون المسلحون إلى مختلف أرجاء العالم.
وتركز وكالة المخابرات المركزية جهودها اليوم على تنشيط المهاجرين الكوبيين وتزويد عصابات الردة في أفغانستان بالسلاح وعلى الدعم السري للقوى المعادية للحكومة في أنغولا وتسليح فلول "عصابات بول بوت" لممارسة الأعمال التخريبية ضد حكومة كمبوتشيا الشرعية وتدبير هجمات العصابات والتخريب في أراضي نيكاراغوا الثورية. إن كل هذه الوقائع تدل على أن وكالة المخابرات المركزية، بعد فترة الهدوء الوقتي الذي سببته فضيحة النشاط الإرهابي لهذه الدائرة البشعة، صارت توسع من جديد نطاق عملياتها السرية.
وبعد استلام إدارة الجمهوريين للسلطة في البيت الأبيض عام 1980 انتعشت وكالة المخابرات المركزية بشكل غير عادي. فالرئيس الأميركي الذي سلك نهج تأزيم الوضع الدولي قد اهتم كذلك خصيصاً "بيده المسلحة السرية" كما ينعتون وكالة المخابرات المركزية. ومارست الدائرة التجسسية من جديد حرفتها القديمة ـ تدبير العمليات السرية ـ على النطاق العالمي باستخدام موارد هائلة لم يكن لديها مثلها أبداً بعد فترة ازدهار نشاطها قبل عشرين عاماً. والأكثر من ذلك، كما يعتقد العديد من المراقبين، أن مسارح الحرب السرية غدت الآن أكثر بكثير، وأن العمليات عدت أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً. وقد أعفيت وكالة المخابرات المركزية حتى من التقييدات الضئيلة والتشكيلة تماماً التي فرضت على ممارسة العمليات السرية الواسعة بعد فضائح أواسط العقد المنصرم.
أن "الشركة" تتوسع. وتأسس لوكالة المخابرات المركزية فرعان في أرلينغتون (ولاية فرجينيا) وفي العاصمة الأميركية نفسها. وقد جرت زيادة عدد العاملين في وكالة المخابرات المركزية ـ أستحدث 3000 منصب جديد ـ أساساً من أجل تعزيز الإدارة التعبوية التي تشرف على الشبكة التجسسية العالمية وتخطط للعمليات السرية. وقد تجاوز عدد العملاء التعبويين السريين 1000 شخص (كانوا في عهد كارتر حوالي 300). والكثيرون منهم من موظفي وكالة المخابرات المتقاعدين أو المفصولين الذين أعيد تعيينهم.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة كانت نفقات العمليات السرية لوكالة المخابرات المركزية تزداد سنوياً بنسبة 17%، وقد تجاوزت من حيث وتائر النمو حتى ميزانية البنتاغون. وقد أوردت الإدارة الأميركية ذريعة لتعزيز هذه الشركة الإرهابية هي ضرورة… "مكافحة الإرهاب" الذي تحول، في رأي البيت الأبيض، إلى السبب الأساسي لكل النزاعات الدولية الحادة في العصر الحاضر.
5ـ الإرهاب الدولي: الخرافات والواقع
الثأر مهما كلف الثمن
كانت الصيحة الأولى التي أطلقتها الإدارة الجمهورية الجديدة في عام 1981 هي التحدي الذي ورد على لسان هيغ وزير الخارجية الأميركي آنذاك في شن النضال ضد "الإرهاب الدولي". أما في الواقع فقد كان المقصود هو محاولة العثور على ذريعة جديدة لتنشيط نهج الضغط بالقوة على الصعيد الدولي.
وعندما طرح المسؤولون في واشنطن في بداية الثمانينات مبدأ "مكافحة الإرهاب الدولي" كانوا يتوخون بلوغ عدة أهداف في وقت معاً. فهم إذ يضعون علامات المساواة بين حركة التحرر الوطني و"الإرهاب الدولي" إنما سعون إلى الحط من سمعة قوى اجتماعية وشعوب بكاملها تناضل من أجل حريتها واستقلالها.
وتطلق الإدارة الأميركية نعت "الإرهابية" على الدول المستقلة التي ترفض الخضوع لأوامر الولايات المتحدة وعلى الحركات الثورية والتقدمية والمنظمات الديمقراطية المعارضة للأنظمة الرجعية والدكتاتورية العسكرية الفاشية وتلصق هذه الدمغة بالدرجة الأولى على كل النضالات التحررية المعادية للأمبريالية وعلى نضال شعوب البلدان النامية ضد السيطرة الأجنبية وفي سبيل الاستقلال الوطني.
وبقدر ازدياد عدد الدول التي تحررت من التبعية الاستعمارية اتسع نطاق أعمال الإرهاب الرسمي الرامية إلى مقاومة النضال الوطني التحرري. وهدف تلك الأعمال هو تهيئة تغطية دعائية للثأر السياسي على هزيمة الإمبريالية في منطقة التحرر الوطني وتبرير الهجوم على مواقع الدول الفتية المستقلة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وبالدرجة الأولى الدول التي اختارت طرق التوجه الاشتراكي، وتبرير تصدير الثورة المضادة.
إن هذا التكتيك ليس جديداً. ففي السابق أيضاً حاول إيديولوجيو البرجوازية أن يطلقوا كلمة "الإرهاب" على أية نضالات ثورية تقوم بها الشعوب ويلقوا عليها الذنب في تأزيم الموقف في العالم. ومن زمان كانت قوى الرجعية وممثلوا الأنظمة المحافظة التي تترك حلبة التأريخ يصورون الذين ينادون ويناضلون من أجل تحطيم القديم ومن أجل التجديد الاجتماعي وإعادة الفتوة إلى المجتمع بأنهم دعاة الفوضى والعنف والإرهاب. ويعتبرون النضال الشرعي للشعوب ضد التعسف الإمبريالي وفي سبيل الحرية والاستقلال والتطور الديمقراطي جريمة.
"ومنذ حوالي 20 عاماً تصور وسائل الإعلام في الغرب شعوب "العالم الثالث"، ومنها الشعوب العربية على أنها من "الإرهابيين". وطوال سنين كثيرة تؤكد بالكتب والأفلام والجرائد بأن البلدان النامية، وبالدرجة الأولى العربية هي المذنبة في كل مصائب البلدان المتطورة صناعياً". وينسبون اختطاف الطائرات وتفجير القنابل واختطاف السياسيين واغتيالهم إلى العرب الذين تعتبرهم البلدان الغربية مذنبين في العنف الذي اجتاح الكرة الأرضية. وكان علماء الاجتماع والفلاسفة والروائيون الغربيون قد نعتوا العرب بأشنع النعوت. وبعد الحرب العالمية الثانية أضيف إلى تلك النعوت نعت آخر. وصار العرب ينعتون بالإرهابيين.
إن "النعرة المعادية للعرب" التي استثارتها وسائل الإعلام الغربية بإيحاء من الأوساط الحاكمة في الدول الإمبريالية إنما تخدم أغراضاً محددة تماماً، هي تبرير سياسة الغزو التوسعية التي تطبقها ضد البلدان العربية أهم "حليفة استراتيجية" للغرب ـ إسرائيل، وكذلك تبرير الأعمال العدوانية والغارات الإرهابية التي يقوم بها العسكريون الأميركان ضد اليابان العربية.
وتستهدف المعالجة الدعائية المكثفة للشعب الأميركي إقناع فئات واسعة من السكان وكذلك المشرعين في الكونغرس الأميركي بأنه كل الحركات التحررية في البلدان النامية ما هي إلا مظهر "للإرهاب الدولي". وهكذا تحول الولايات المتحدة تصوير كل عمل عدواني تقوم به على أنه إجراء مضاد رداً على الإرهابيين.
وفي معرض الحديث عن هذه الحملة "لخداع أميركا" تشكي نورمان مينيتا، وهو من أعضاء مجلس النواب في الكونغرس الأميركي وعضو اللجنة الخاصة بشؤون المخابرات، فقال: "نحن كالفطر يحتفظون بنا في ظلام الجهالة ويطعموننا بروث الأعلام المزور".
إن زعماء واشنطن السياسيين الذين ابتدعوا خرافة "الإرهاب الدولي" قد صوروا، على ما يبدو، انهم أوجدوا تغطية أيديولوجية متينة لسياسة الثأر على الهزائم التي منيت بها الإمبريالية الأميركية على الصعيد الدولي في الستينات والسبعينات. وليس من قبيل الصدقة أن بدأوا في الولايات المتحدة يتكلمون صراحة عن ضرورة بعث "أميركا القوية" وتذليل "عقدة التردد" و"الورم الفييتنامي" وأخذوا يكررون المغامرات الحربية التي حرّبوها في السنين الماضية.
ففي نيسان (أبريل) 1986 تحدثت المندوبة الأميركية السابقة في الأمم المتحدة جين كيركباتريك في مقالة نشرتها "واشنطن بوست" عما كان يتعين على الولايات المتحدة اتخاذه لمساعدة المتمردين الذين نزلوا في خليج كوتشينوس عام 1961 لكي يرسخوا أقدامهم في كوبا. إن الاستنتاج الذي توصلت إليه كاتبة المقالة له دلالة كبيرة. فالعبرة المستخلصة من أحداث خليج كوتشينوس (وكذلك من الحرب الفييتامية ومن المحاولة الفاشلة لنجدة الرهائن الأميركان في إيران) تتلخص في أن توزع المسؤولية واتخاذ القرار بعيداً عن مكان الأحداث وعدم كفاية القوى المخصصة ـ كل ذلك يحبط العملية العسكرية ويحول دون نجاحها.
وها هي الإدارة الأميركية التي لم تأخذ أية عبرة تبعث إلى خليج سدرة السفن الحربية من الأسطول السادس التي لا تختلف بشيء عن السفن التي أرسلت في حينه إلى كوبا أثناء أزمة الكاريبي عام 1961. أما الهليكوبترات ذات النجمة البيضاء والتي تنقل "المتمردين" إلى الحدود بين هندوراس ونيكاراغوا فهي تماماً مثل الهليكوبترات التي أرست بداية الحرب في الفييتنام.
وكتبت مجلة "بانوراما" الإيطالية تقول "رغم ما أكده ريغان من "أن القوات الأميركية تغدو رمزاً للأمل بالنسبة للبؤساء في جميع أرجاء المعمورة" فإن هذه القوة ترتبط أكثر فأكثر برغبة معينة في الثأر للإهانات". وبهذا الخصوص يتساءل حتى المعلقون المسموعو الكلمة في واشنطن عما إذا كان يحق للسياسة الخارجية المستندة إلى الأحقاد الشخصية والغيط والرغبة في استعراض العضلات مهما كلف الأمر أن تسمى دبلوماسية.
والهدف الآخر الذي كانت واشنطن تتوخاه من فتح "جبهة مكافحة" ما يسمى بالإرهاب الدولي هو الحط من سمعة البلدان الاشتراكية، وبالدرجة الأولى الاتحاد السوفييتي، في أنظار الرأي العام العالمي ومحاولة تصوير هذه البلدان على أنها المحفز والمساعد على"الإرهاب الدولي". وكما ابتدعت خرافة "الخطر العسكري السوفييتي" لتبرير البرنامج العسكري "لإعادة تسليح أميركا" كذلك طرحت موضوعة "الخطر" لتبرير سياسة الإرهاب الرسمي الأميركي. و"الخطر" هذه المرة ينطلق من "إرهاب دولي" خرافي يشجعه، كما يزعمون، الاتحاد السوفييتي حلفاؤه.
ومما له دلالته أن ممثلي الكتل السياسية الإمبريالية التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن تطبيق الممارسات الإرهابية في العلاقات الدولية المعاصرة يطرحون برغبة وبأعلى الأصوات على أثر الولايات المتحدة الاختلافات بشأن "الإرهاب السوفييتي". وعلى حد تعبير أحد "المناضلين" ضد الإرهاب ـ "جلاد بيروت" وزير الدفاع الإسرائيلي السابق شارون في حديث إلى مجلة "نوفيل أوبسرفاتير" الفرنسية أن المصدر الرئيسي "للإرهاب الدولي" المعاصر هو الاتحاد السوفييتي الذي "فهم جيداً أن الإرهاب في العصر الذري هو الشكل الوحيد للحرب التي يمكن أن تشن بدون مجازفة في إثارة نزاع نووي"*.
وتتجلى في هذا التصريح، وعموماً في الحملة الإفترائية التي شنت بأمر من الإدارة الأميركية حول "مشاركة الاتحاد السوفييتي في الإرهاب الدولي" رغبة الأوساط الإمبريالية الملحة في أن تلصق بالبلدان الاشتراكية منطقها الخاص، منطق النهب والغزو، الذي يميز سلوك تلك الأوساط على الصعيد الدولي.
ومن الأهداف الرئيسية التي تبتدع من أجلها المزاعم عن "المراكز الأجنبية" و"يد موسكو" المزعومة التي توجه أفعال "الإرهابيين" طمس المقدمات الموضوعية لحركات الاحتجاج الاجتماعي والنضال التحرري للشغيلة وفئات السكان المضطهدة، في منطقة "المصالح الحيوية" للإمبريالية وتصويرها بشكل مظهر "للمؤامرة الدولية" وتبذل وسائل الأعلام الغربية والساسة البورجوازيون جهوداً كبيرة لتصوير الإرهاب السياسي بمثابة أداة لزعزعة الاستقرار الاجتماعي في "العالم الحر". ويزعمون بأن هذه الأداة تتحكم بها دول أجنبية (وفي مقدمتها البلدان الاشتراكية).
وفي المطبوعات الكثيرة المكرسة لتفشي الإرهاب في البلدان الرأسمالية تبذل محاولات ملحة لأجل تصوير أعضاء مختلف الجماعات والمنظمات المتطرفة والإرهابية في الغرب بأنهم أعضاء "أممية إرهابية" سرية يزعمون بأن موسكو توجه نشاطها.
ثم إن تقارير لجنة الأمن والإرهاب لدى مجلس الشيوخ الأميركي مشبعة هي الأخرى بالمزاعم حول الإرهابيين "الموجهين من الخارج". وتحدث عن مؤامرة إرهابية دولية القرار الخاص الذي اتخذه مؤتمر رؤساء دول وحكومات سبعة بلدان رأسمالية في لندن في حزيران (يونيو) 1984.
ثم إن البابا يوحنا بولص الثاني أشار في إحدى خطبه إلى "الشبكة الدولية" للإرهاب التي يزعمون أنها موجهة من مركز واحد.
وترتدي صيغة المصدر "الخارجي" للإرهاب مختلف الأشكال، وبعضها كاريكاتورية. فهم ينسبون "القيادة السرية" لمختلف المنظمات الإرهابية إلى الزعماء الليبيين تارة وإلى الزعماء الفلسطينيين تارة أخرى وإلى "كارلوس" الفنزويلي الخفي أو إلى "شيخ" شرير يقيم في أوربا الغربية. إلا أن الصحابة البورجوازية وكذلك بعض الأوساط السياسية في البلدان الغربية تسعى بأكبر قدر من الإصرار إلى إثبات الزعم القائل بأن كل الخيوط السرية لشبكة "الإرهاب الدولي" تؤدي إلى عواصم البلدان الاشتراكية ـ هافانا وصوفيا وموسكو.
وأعلن أيوناس الكساندر الموظف في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن "أن لموسكو على الدوام تقريباً مصالح في تفشي الإرهاب"*. وإن هذا "الاكتشاف" يمكن الإدارة من القول بأن كل مصائب أميركا في العالم سببها "دسائس موسكو" التي يجدون "يدها"، كما يزعمون، في كل الحركات التحررية الوطنية المعادية للإمبريالية والتي تشكل، على حد زعمهم، خطراً مباشراً على أمن الولايات المتحدة.
من أسطع الأمثلة على تأجيج الهستيريا المعادية للسوفييت عن طريق المتاجرة بموضوع الإرهاب اختلاقات جريدة "واشنطن بوست" التي زعمت، فيما زعمت، بأن موسكو عززت قوى المهمات الخاصة التي تتلخص وظيفتها، على حد ادعاء الجريدة، في اختطاف أو اغتيال كبار زعماء بلدان حلف الناتو في الساعات التي تسبق بدء الهجوم السوفييتي المباغت على أوروبا الغربية.
وزعمت الجريدة أن المخابرات العسكرية السوفييتية تضم 20 سرية من قوات المهمات الخاصة وإن وظيفتها تتلخص في زعزعة استقرار حكومات بلدان الناتو بطريقة تسديد ضربات إلى أعماق المؤخرة بقوات الكوماندوس، بما في ذلك قتل كبار القادة. وتنص الخطط الاستثنائية حتى على "اختطاف العائلة المالكة في السويد" لضان عدم تخلي السويد عن حيادها التاريخي وعدم التحاقها بقوات الناتو في الكفاح ضد الروس في حالة نشوب الحرب.
وحسبما تدعيه "واشنطن بوست" تتكون كل سرية من قوات المهمات الخاصة من 115 رجلاً وامرأة، وكلهم عسكريون محترفون يجيدون اللغات الأجنبية ومتدربون جيداً على اقتراف القتل. وإن إرسال العملاء جزء لا يتجزأ من "الاستراتيجية السوفييتية الشجاعة" الرامية إلى إحراز النصر الخاطف على قوات الناتو بدون استخدام السلاح النووي. وعلى أثر العمليات السرية " لقوات المهمات الخاصة" تأتي، حسب زعم الجريدة، عمليات الوحدات النظامية التي تقوم الهجوم بقوات خفيفة التسليح وسريعة التنقل تسمى بمجموعات المناورة التعبوية*.
(إن هذه الاختلافات التي لا يمكن مقارنتها إلا بمزاعم إرسال الإرهابيين الإيرانيين أو الليبيين إلى واشنطن للاستيلاء على البيت الأبيض تعكس في الواقع كليشهات التفكير ونمط أعمال واشنطن نفسها).
إن حملة الاتهامات الافترائية التي شنتها الإدارة الأميركية على الاتحاد السوفييتي وكوبا وبلغاريا والبلدان الاشتراكية الأخرى بزعم أنها تساعد "الإرهاب الدولي" إنما تخدم هدفاً واحداً هو التغطية على الحقيقة الساطعة القائلة بأن الإمبريالية بالذات تتحمل مسؤولية التطبيق النشيط لطرائق العنف السافر والإرهاب في العلاقات الدولية المعاصرة.
إن إدارة ريغان لم تطرح بالصدفة موضوعة "الإرهاب الدولي" الذي ينظمه ويلهمه الاتحاد السوفييتي كما تزعم. فقد استخدمت هذه الموضوعة في المرحلة الأولى من نشاطها لتبرير الانعطاف الشديد في سياسة الولايات المتحدة الخارجية صوب النهج المتطرف المعادي للسوفييت. فالحملة الجديدة التي تحاول الولايات المتحدة وصنائعها أن يشنوها ضد الاتحاد السوفييتي تحت شعار مكافحة "الإرهاب الدولي" ما هي إلا رياء صارخ، لأنها تنطلق من زعماء دولة مسؤولة بأكبر قدر عن وضع سياسة العنف في مصاف الممارسات اليومية في السياسة الخارجية.
وكتبت مجلة "أفريقيا وآسيا" الباريسية في نيسان (أبريل) 1983 " أن إدارة ريغان التي تؤثر على الرأي العام الأميركي تصور عملياتها الجارية وراء الكواليس في البلدان الأخرى وسيلة لصد الخطر السوفييتي المزعوم. أما في الواقع فإن الإدارة تسعى إلى فرض "عالم على الطريقة الأميركية على المعمورة جمعاء". أن البرنامج الإمبراطوري لفرض السيطرة الأميركية على العالم، ذلك البرنامج الذي طرحته الأوساط اليمينية المتطرفة من النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة، إنما يتجسد اليوم في نهج الكونية الجديدة في السياسة الخارجية لهذه الدولة الأمبريالية الكبرى.
إن تطبيق هذه السياسة على الصعيد العالمي يكتسب أشكالاً مختلفة ـ من الشانتاج والتخويف ومحاولات خنق الأنظمة التقدمية بالعقوبات والحصار الاقتصادي إلى تدبير المؤامرات من قبل الدوائر السرية وإثارة الإنقلابات الحكومية واغتيال رجالات الدولة والشخصيات الاجتماعية وتنظيم الحملات العسكرية التأديبية. والتعبير المركز عن هذه النظريات التي تفترض في الواقع شطب سيادة الدول والشعوب في اختيار طريق تطورها هو "الحملة الصليبية" على النطاق العالمي.
العنف يعود إلى نحور أصحابه
لقد راح الأميركان أنفسهم ضحايا لسياسة الإرهاب الرسمي التي تنتهجها الولايات المتحدة. فالبيت الأبيض يستخدم الضجة حول "الإرهاب الدولي" لشن الهجوم على الحقوق المدنية للسكان في عقر داره ولتبرير سياسة القمع الاجتماعي المعادية للشعب، سياسة التطاول على المكتسبات الديمقراطية للشغيلة. وقد كتبت الصحف أن الإدارة الأميركية تستخدم خوف السكان من الإرهاب للحط من سمعة طائفة واسعة من المنظمات السياسية في الولايات المتحدة ولتبرير تنشيط حملة التهديد والتخويف والتجسس على نشطاء تلك المنظمات. وبحجة مكافحة الإرهاب يعتقلون ويشوهون سمعة النشطاء ويحطون من منزلة المنظمات المجازة قانونياً ويصرفون أنظار الرأي العام عن نضالات الحركة المناهضة للحرب والمناضلين في سبيل الحقوق المدنية.
إن الإرهاب الرسمي الذي تطبقه الولايات المتحدة إزاء الشعوب الأخرى يعود إلى نحر الولايات المتحدة نفسها بشكل توابيت بجثث الأميركان القتلى في الخارج، وبشكل جو الخوف والهلوسة اللذين يثيرهما البيت الأبيض الذي يغدو أو ضحية لجنونه "اللاإرهابي" حيث يطوق نفسه بموانع الدبابات وبطاريات المدافع المضادة للجو.
إن المسؤولين في إدارة واشنطن إذ يحاولون تخويف الجميع من دسائس "الإرهابيين" على الصعيد الدولي صاروا هم أنفسهم يعانون من مظاهر الخوف من إرهابيين خرافيين. وبغية الحماية دون هؤلاء نصبت بين الشجيرات حول البيت الأبيض حتى صواريخ "أرض ـ جو". وأعلنت مجلة "تايم" الأسبوعية عن هذه الحقيقة في كانون الأول (ديسمبر) 1983 وأضافت قائلة: "أن هذه الصواريخ مخصصة لحماية الرئيس وجهازه من هجوم جوي مباغت". وهي محجوبة بدقة وعناية عن أنظار أبناء السبيل وعن أنظار الزوار. وعلى مقربة منها أنشيء مركز خاص للتوجيه والتحكم تجري فيه ليل نهار مراقبة كل الطائرات التي تقلع أو تحط في مطار العاصمة الأميركية وضواحيها.
أما في الواقع، فإذا كان من الضروري حماية الأميركان من شيء ما في أميركا حالياً فيجب حمايتهم ليس من "إرهابيين دوليين" خرافيين، بل من المظاهر الفعلية للعنف المتفشي يومياً في الولايات المتحدة، من الإرهاب الذي يمارسه جهاز القمع في الدولة الأميركية ضد شعبها.
وتفيد معطيات وزارة الخارجية الأميركية أن عدد الأميركان الذين قتلوا في الخارج بنتيجة الأعمال الإرهابية عام 1985 بلغ 23 شخصاً. وخلال نفس ذلك العام قتل في نيويورك وحدها 1384 شخصاً. وبهذا الخصوص نعيد إلى الأذهان ما قاله بيرغير عضو المحكمة العليا في الولايات المتحدة: "خلال السنوات العشر الأخيرة يتحدث