| الكاتب |
في القول على الصبر وهو أوّل الأخلاق الحسنة |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2048
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
في القول على الصبر
وهو أوّل الأخلاق الحسنة
إعلم أنّ من الأخلاق الحسنة الصبر على الملمات والرفق عند النوازل وبه نزل الكتاب وجاءت به السنّة.
قال الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يعني اصبروا على ما افترض الله وصابروا عدوّكم ورابطوا.
وقال النبي(ص) :
الصبر سر من الكروب وعونٌ على الخطوب.
وقال علي أمير المؤمنين(ع) :
الصبرُ مطيّة لا تكبُر والقناعة سيفٌ لا ينبو.
وقال ابن عباس:
أفضل العِدّة الصبر على الشدّة.
وقال عبيد بن الأبرص:
صَبِّرْ النفسَِ عند كل مُلِمٍ = إنّ في الصبرِ حيلةُ المحتالِ
لا تضيقنّ في الأمور فقد تكشِفُ = أغمارَها بغيرِ احتيالِ
ربما تجزعُ النفوسُ من الأمر له = فرجـةً لحـلّ العِقـالِ
وللصبر ستة أقسام:
|
|
|
| الكاتب |
(القسم الأول) |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2048
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
(القسم الأول)
هو الصبر عمّا نهى الله عنه لأنّ به تخلص الطاعة وبها يصلحُ الدين وتؤدى الفروض ويستحق الثواب كما قال في مُحكم الكتاب:
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ
وبذلك قال النبي (ص) :
الصبرُ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
وهذا النوع من الصبر إنما يكون لفرط الجزع وشدّة الخوف فإنّ من خاف الله عز وجل صبرَ على طاعته ومن جزع من عِقابه وقف عند أوامره.
|
|
|
| الكاتب |
(القسم الثاني) |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2048
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
(القسم الثاني)
الصبرُ على ما تقتضيه أوقاته من رزيّة قد أجهدهُ الحزنُ عليها, أو حادثة قد أكَدَّهُ الهمُّ بها فإنّ الصبر عليها يَعقبُهُ الراحة ويكسبه المثوبة عليها إن صبر طائعاً وإلا احتمل هماً لازماً وصبر كارهاً آثماً.
وروي عن النبي (ص) أنه قال:
قال الله تعالى من لم يرضى بقضائي ويصبر على بلائي فليختر رباً سواي.
وقال علي أمير المؤمنين (ع) للأشعث بن قيس:
إنك إن صبرت جرى عليك القلمُ وأنت مأجورٌ
وإن عجزت جرى عليك القلمُ وأنت مأزور.
وقال أبو تمام في ذلك شعراً:
وقال علي في التعازي لأشعثٍ = وخاف عليه بعض تلك المآتم
أتصبر للبلوى عزاءً وخشية = فتؤجر أو تسلوا سلو البهائم
|
|
|
| الكاتب |
(القسم الثالث) |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2048
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
(القسم الثالث)
الصبر على ما فات إدراكه من رغبة مرجوّة وأعْوَز نيله من مَسرّة مأمولة فإنّ الصبر عنها يعقب السلو عنها (والأسف بعد اليأس خرق).
ورويَ عن النبي (ص) أنه قال:
من أُعْطِيَ فشكر ومُنِعَ فصبر وظُلِمَ فغفر فاستغفر فأولئك لهم الأمنُ وهم مهتدون.
وقال بعض الشعراء:
إذا ملكَ القضاءُ عليكَ أمراً = فليسَ يحلّهُ غيرُ القضاءِ
فمالك والقضاءُ بدارِ ذلٍ = ودارُ العزّ واسعة الفضاء
وقال بعض الحكماء:
إن كنت تجزعُ على ما فات من يدك فاجزع إلى ما يصل إليك.
|
|
|
| الكاتب |
(القسم الرابع) |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2048
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
(القسم الرابع)
الصبر فيما يخشى حدوثهُ من رَهبةٍ يخافها أو يحذر حلوله من نكبةٍ يخشاها فلا يتعجّل همّ مالم يأتِ فإنّ أكثر الهموم كاذبة وإنّ الأغلب من الخوف مدفوع.
وقد رويَ عن النبي (ص) أنه قال:
بالصبر يتوقـّع الفرج ومن يُدمِن قرع الباب يَلُجّ.
وقال الحسن البصري عن الحسن بن علي:
لا تحمِلنّ على يومك همّ غدِك فحسبُ كُلّ يومٍ همّه.
|
|
|
| الكاتب |
(القسم الخامس) |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2048
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
(القسم الخامس)
الصبر فيما يتوقعهُ من رغبةٍ يرجوها وينتظر من نعمةٍ يأملها فإنه إن أدهشه التوقع لها وأذهلهُ التطلع إليها انسَدّت عليه سُبلُ المطالب واستفزّه تسويل المَطامع فكان أبعَدَ لرجائه وأعظم لبلائه.
وإذا كان مع الرّغبة وقوراً وعند الطلب صبوراً انجلت عنه عَماية الدهش وانجابت عنه حيرة الوَلَه فأبْصَر رُشده وعَرف قصده.
وعن النبي (ص) أنه قال:
الصبرُ ضياءٌ يُضيءُ والله يعلمُ أنه يكشفُ ظلم الحيرة ويوضحُ حقائق الأمور.
وقال أكثم بن صيفي:
من صبر ظفر.
وقال بن المقفع:
كان مكتوباً في قصر أزدشير: الصبرُ مفتاح الدرك.
وقال بعض الحكماء:
بحُسنِ التأني تسهُلُ المطالب.
وقال بعض البلغاء:
من صبر نال المُنى ومن شكر حصّل النُعمى.
وقال محمد بن بشير:
إنّ الأمورَ إذا سُدّت مطالبها = والصبرُ يفتق منها مارتجا
لا تيأسنّ وإن طالت مطالةٌ = إذا استعنتَ بصبرانِ ترى فرجا
أخلقُ بذي الصبرِ أن يحظى بحاجتهِ = ومُؤملُ القرعِ للأبوابِ أن يلجأ
|
|
|
| الكاتب |
(القسم السادس) |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2048
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
(القسم السادس)
من أقسام الصبر الصبر على ما ترك من مكروه أو حل من أمرٍ مخوف فالصبر في هذا تفتح وجوه الآراء وتستدفع مكائد الأعداء فإنّ من قل صبره عزب رأيُه واشتد جزعُه فصار صريع همومه وفريسة غمومه.
وقد قال الله تعالى:
وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
وعن ابن عباس عن النبي (ص) أنه قال:
إن استطعتَ أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل, وإن لم تستطع فاصبر, فإنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً واعلم أنّ النصر مع الصبر والفرج مع الكَرَب واليسر مع العسر.
وقال علي أمير المؤمنين (ع) :
الصبر مستأصل الحدثان والجزع من إخوان الزمان.
وقال بعض الحكماء:
بمفتاح عزيمة الصبر نعالج مغاليق الأمور.
وقال بعضهم:
الصبر في الحرب شجاعة والصبر على القيام بأوامر الله طاعة والصبر على مفارقة المال كرم وعلى الجملة ففيه رضاء الله سبحانه وفيه عزّ الفرد وعز الأمم إنّ الله مع الصابرين.
قال بعض الحكماء:
إنّ لتسهيل المصائب وتخفيف الشدائد أسبابٌ إذا قارنت الصبر حزماً وصادفتهُ عزماً هان وقعها وقلّ تأثيرها وضررها إذا قبلت النفس إشراق نور العقل.
فمنها:
إشعار النفس بما تعلمه من نزول الفناء وتقضى المسار وإنّ لها آجالاً منصرمة وآجالاً محدودة لأنه ليس للدنيا حال تدوم ولا لمخلوق فيها بقاءٌ.
ومن أسباب تخفيف الشدائد:
أن يتصوّر الإنسان انجلاء الشدائد وانكشاف الهموم وإنها تتقدّر بأوقات لا تنصرم قبلها ولا تستديم بعدها فلا تقصر بجزع ولا تطول بصبر وإن كل يوم يمر بها يذهب منها بشطر ويأخذ منها بنصيب حتى تنجلي وهو عنها غافل.
وحُكيَ أنّ الرشيد حبس رجلاً قيل أنه موسى الكاظم (ع) ثم سأل عنه بعد زمان فقال موسى للموكل به بالحبس:
من له كل يوم يمضي من نعمة يمضي من بؤس مثله والأمر قريب والحكم لله تعالى.
فأخذه الشاعر فقال:
لو أنّ ما أنتم فيه يدوم لكم = ظننت ما أنا فيه دائماً أبداً
لكنــه عالمٌ أني وأنّــكم = سنستجد خلاف الحالتين غدا
ومن أسبابها:
أن يعلم الإنسان فيما وفى من الرزايا وكفى من الحوادث ما هو أعظم من رزيته وأشد من حادثته ليعلم أنه ممنوح بحسن الدفاع ولذلك قال النبي (ص) :
إنّ لله تعالى في أثناء كل محنة منحة.
وقال بعض الشعراء:
لا تكره المكروه عند حلوله = إنّ العواقب لم تزل متباينة
كم نِعمةٍ لا تستقل بشكرها = للهِ في طي المكاره كامنه
ومن أسبابها:
أن يتأسّى بذوي الغير ويتسلى بأولي العِبَر ويعلم أنهم الأكثرون عدداً والأسرعون مددا فيستجدّ من سلوة الأسى وحسن العزاء ما يخفف شجوه ويُقلل هلعه وبذلك يقول عمر بن الخطاب عن النبي عليه السلام:
ألصقوا بذوي الغير تتبع قلوبكم.
وعلى مثل ذلك كانت مراثي الشعراء. قال البحتري:
فلا عجب للأسد إن ظفرت بها = كلابُ الأعادي من فصيحٍ وأعجمِ
فحربةُ وحشي سقت حمزة الردى = وموت علي من حسام بن ملجم
وقال أبو نواس:
المرء بين مصائب لا تنقضى = حتى يزول جسمه في رمسه
فمؤجل يلقي الردى في أهله = ومُعجّلٌ يلقى الردى في نفسه
ومن أسبابها:
أن يعلم أن النِعَم زائرة وأنها لا محالة زائلة وأن السرور بها إذا أقبلت مشوبة بالحذر من فراقها إذا أدبرت وأنها لا تفرح بإقبالها فرحاً حتى تعلم بفراقها ترحاً فعلى قدر السرور يكون الحزن.
وفي منثور الحكم:
المفروح هو المحزون عليه.
وقيل:
من بلغ غاية ما يُحبّ فليتوقع غاية ما يكره.
ومن أسبابها:
أن يعلم أن سروره مقرونٌ بمسائة غيره وكذلك حزنه مقرون بسرور غيره.
قال أرسطو:
اختصار الكلام طي المعاني.
وقيل له: ما أحسن ما حمله الإنسان؟ قال: السكوت.
|
|
|
| الكاتب |
وخلاصة القول في الصبر |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2048
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
وخلاصة القول في الصبر
إنّ الصبر على المصيبات يُبقي للعقل نورَه ويُبقي للشخص وَقارَه ولا يَخرج عن حدود الله ولا يَذهب في العقاب إلى مالا يرضاه الله.
ومن الصبر التجلد والتأسّي.
رويَ أنه لما حُبِسَ الملك كِسرى الحكيم بزرجمهر سأله أحبابه: بماذا تتعزى؟ قال:
بأربع كلمات
(الأولى) بقولي إنّ كل شيء يجري بقضاء الله وحكمه.
(الثانية) بقولي إن لم أتحمل ماذا أصنع.
(الثالثة) بقولي أنه ممكن أن أقع بشرٍ أعظم من هذا.
(الرابعة) بقولي لعلّ الفرج قريبٌ وأنا لستُ أعلم.
(انتهى) |
|
|