| الكاتب |
في القول على شروط المروءة بنفسها |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2051
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
في القول على شروط المروءة بنفسها
إعلم أنّه بعد التزام ما أوجبه الشرع من أحكامه فيكون ثلاثة أمور وهي:
العفـّة و النزاهة و الصيانة.
أمّا العفة فنوعان:
أحدهما: العفة عن المحارم.
والثاني: العفة عن المآثم.
فأمّا العفة عن المحارم فنوعان:
أحدهما: ضبط الفرج عن الحرام.
والثاني: كفّ اللسان عن الأعراض.
فأمّا ضبط الفرج عن الحرام: فلأنّ وعيد الشرع وزاجر العقل معرّة فاضحة وهتكة داحضة.
ومن ذلك قول النبي(ص) :
من وقى شرّ ذبذبه ولقلقه وقبقبه(1) فقد وقى نفسهُ.
وقال (ص) :
أحبّ العفاف إلى الله تعالى عفاف الفرج والبطن.
وقال أنوشروان لإبنه هرمز: من الكامل المروءة؟
فقال: من حَصّنَ دينهُ ووصل رحمَهُ وأكرمَ إخوانهُ.
وقال بعض الحكماء:
من أحبّ المكارم إجتناب المحارم.
ومن المنسوب للحسن بن علي (ع) :
الموتُ خيرٌ من ركوبِ العارِ = والعارُ خيرٌ من دخولِ النارِ
والداعي إلى ذلك شيئان:
أحدهما: إرسال الطرف.
والثاني: إتبّاع الشهوة.
فأمّا إرسال الطرف: فهو مما رويَ عن النبي (ص) أنه قال لعلي (ع) :
يا علي, لا تتـبع النظرة النظرة فإنّ الأولى لك والثانية عليك (2).
وقال المسيح عليه السلام:
إياكم والنظرة بعد النظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبه فتنة.
وقال أمير المؤمنين علي (ع) :
العيون مصائد الشيطان.
وقال بعض الحكماء:
من أرسل طرفهُ استدعى حتفهُ.
قال الشاعر:
وكنت متى أرسلتَ طرفكَ رائداً = لقلبكَ يوماً أتعبتك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كُلـُّهُ أنتَ قادرٌ = عليه ولا عَن بعضهِ أنتَ صابرُ
------------------------------------------------------------------------------------
(1) - ذبد: براق فرجه. ولقلقه: لسانه. وقبقبه: بطنه.
(2) - إنّ في قوله (ص) : لا تتبع النظرة النظرة تأويلان:
أحدهما: لا تتبع نظر عينيك نظر قلبك.
والثاني: لا تتبع الأولى التي وقعت سهواً بالنظرة الثانية التي توقعها عنداً.
وقال بعض الحكماء: البصرُ سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس.
|
|
|
| الكاتب |
في القول على شروط المروءة بنفسها |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2051
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
وأمّا الشهوة:
فهي خادعة العقول وغادرة الألباب ومُحَسِّنة القبائح ومُجلبةُ الفضائح وليس من عَطَبٍ إلا وهي له سبب وعليه إلب.
ولذلك قال النبي (ص) :
أربعٌ من كُنَّ فيه وجبت لهُ الجنّة وحفظ من الشيطان وهي:
من ملكَ نفسهُ حين يرغبُ وحين يرهبُ وحين يشتهي وحين يغضبُ.
وقهرها عن هذه الأحوال يكون بثلاثة أمور:
(أحدهما):
غضّ الطرف عن إثارتها وكفّه عن مساعدتها فإنّه الرائد المحرّك والقائد المهلك.
ورويَ عن النبي (ص) أنّه قال:
تقبّلوا إليَّ بستٍ, أقبلُ إليكم بالجنة.
قالوا: وما هي يا رسول الله:
قال:
إذا حدّث أحدكم فلا يكذب.
وإذا وعد فلا يخلف.
وإذا أئتمن فلا يخون.
غضّوا أبصاركم.
واحفظوا فروجكم.
وكفوا أيديكم.
(والثاني):
ترغبها في الحلال عوضاً وإقناعُها بالمُباح بدلاً, فإنّ الله ما حرّم شيئاً إلا وأغنى عنه بمباحٍ من جنسهِ لِما علمهُ من نوازع الشهوة وتركيب الفطرة ليكون ذلك عوناً على طاعته وما جرى من مخالفته.
وقال عمر بن الخطاب (رض) عن النبي:
ما أمر الله تعالى بشيءٍ إلا وأعان عليه ولا نهى عن شيء إلا وأغنى عنه.
(والثالث):
إشعار النفس تقوى الله تعالى في أوامره, وإتقاؤه في زواجره, وإلزامها ما لزم من طاعته, وتحذيرها ما حذّر من معصيته, وإعلامها أنه لا يخفى عليه ضمير, ولا يعزُب عنه قطمير, وأن يُجازى المحسن, ويُكافئ المسيء, وبذلك نزلت كتبه, وبلّغت رسله.
وروى ابن مسعود أنّ آخر ما نزل من القرآن:
(وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ) (ثُمَّ تُوَفَّى ) ( كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ).
وآخر ما نزل من التوراة:
(إذا لم تستح فافعل ما شئت).
وآخر ما نزل من الأنجيل:
(شر الناس من لا يُبالي أن يرى في الناس سيئاً).
وآخر ما نزل من الزبور:
(من يزرع خيراً يحصد زرعه غبطة).
فإذا أشعرها ما وصفت انقادت إلى الكف, وأذعنت بالإنقياد, فسلم دينه, وظهرت مروته, فهذا شرطٌ من شروط المروءة.
|
|
|
| الكاتب |
في القول على شروط المروءة بنفسها |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2051
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
وأما كف اللسان عن الأعراض:
فلأنه ملاذ السفهاء, وانتقام أهل الغوغاء, وهو مستسهل الكلف إذا لم يقهر نفسه عنه برادع كاف وزاجر صادّ تلبّط بمعاده وتخبّط بمضادّه وظنّ أنه لتجافي الناس عنه حمى يُقتى ورتبة تُرتقى فهَلك وأهْلك.
وبذلك قال النبي (ص) :
ألا أنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم. فجمع بين الدم والعرض لما فيه من إيغار الصدور وإبداء الشرور وإظهار البذاء واكتساب الأعداء.
وروي عن النبي (ص) أنه قال:
شر الناس من أكرمه الناس إتقاء لسانه.
وقال بعض الحكماء:
إنما هلك الناس بفضول الكلام وفضول المال.
وقال الله تعالى:
وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
وعن النبي (ص) أنه قال:
الفتنة نائمة فمن أيقظها صار طعاماً لها.
وقال جعفر بن محمد (ع) :
الفتنة حصاد للظالمين.
وقال بعض الحكماء:
صاحب الفتنة أقرب شيء أجلاً وأسوأ شيءٍ عملاً.
وعن النبي (ص) قال لعلي (ع) :
يا علي إتق دعوة المظلوم فإنه إنما يسأل الله حق وإنّ الله لا يمنع ذا حق.
وعن النبي (ص) أنه قال:
أدِ الأمانة إلى من استاء منك ولا تـَخُنْ من خانك.
وروي عن سعيد بن جبير قال:
لما نزلت هذه الآية:
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ *
يعنون أنّ أموال العرب حلالٌ لهم لأنهم من غير أهل الكتاب.
قال رسول الله (ص):
كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤدات إلى البر والفاجر ولا يجعل ما يتظاهر به من الأمانة زوراً ولا ما يُبديه من العفة غروراً فينتهك الزور وينكشف الغرور.
قال بعض الحكماء:
من التمس أربعاً بأربع التمس ما لا يكون:
من التمس أجزاء بالرياء التمس ما لا يكون.
من التمس مودة الناس بالغلظة التمس ما لا يكون.
ومن التمس العلم براحة الجسد التمس ما لا يكون.
|
|
|
| الكاتب |
في القول على شروط المروءة بنفسها |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2051
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
ومن شروط المروءة النزاهة وهي نوعان:
إحدهما: فصل النزاهة عن المطامع الدنيئة.
والثاني: النزاهة عن مواقف الريبة.
فأمّا المطامع الدنيئة:
فلأنّ الطمع ذل, والدناءة لؤم, وهما أدفع شيء للمروءة.
وقد كان النبي (ص) يقول في دعائه:
اللهم إني أعوذ بك من طَمَع يَهدي إلى طبع.
وقال بعض الشعراء:
لا تخضعَنّ لمخلوقٍ على طمعٍ = فإنّ ذلك وهنٌ منك في الدينِ
واسترزق اللهَ مما في خزائنهِ = فإنما هو بين الكاف والنونِ
والباعث على ذلك شيئان:
الشره – وقلة الأنفة.
ورويَ أنّ رجلاً قال يا رسول الله أوصني. قال:
عليك باليأس مما في ايدي الناس, وإياك والطمع فإنه فقرٌ حاضرٌ, وإذا صلّيت صلاةً فصلِّ صلاة مودّع, وإياك وما يعتذر منه.
وقال بعض الشعراء:
ومن كانت الدنيا مناهُ وهمّه = سبتهُ المُنى واستعبدتهُ المطامعُ
وحسم هذه المطامع شيئان:
اليأس – والقناعة.
وسُئل محمد بن علي (ع) عن المروءة فقال:
أن لا تعمل في السر عملاً تستحي منه في العلانية.
|
|
|
| الكاتب |
في القول على شروط المروءة بنفسها |
أبو اسكندر
إداري
المشاركات: 2051
المكان: أستراليا
الاشتراك: 12.03.06 |
|
(وأما الصيانة) وهي الثالث من شروط المروءة وهي نوعان:
أحدهما: صيانة النفس بالتماس كفائتها وتقدير مادّتها.
والثاني: صيانتها عن تحمّل المِنن من الناس والإسترسال في الإستعانة.
وأما التماس الكفاءة وتقدير المادة:
فلأنّ المُحتاج إلى الناس كل مهتضم وذليل مثتثقل وهو مما حصر عليه محتاج إلى ما يستمدّه ليقوّم أود نفسه ويدفع ضرورة وقته.
وقد قالت العرب في أمثالها:
كلبٌ جوّال خيرٌ من أسدٍ رابض.
ومن شروط المروءة الكمال.
قال مولانا الباقر (ع) :
جماعُ الكلام في ثلاثة:
(العفة في الدين) و (الصبر على النوائب) و (حسن التدبير في المعيشة)
قيل لبعض الحكماء فلانٌ غنيٌ فقال:
لا أعرف ذلك ما لم أعرف تدبيره في ماله فإذا استكمل هذه الشروط فيما يستمده من قدر الكفاية فقد أدّى حق المروءة في نفسه.
وسُئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال:
العفة والحرفة.
وقال بعض الحكماء لإبنه:
يا بني لا تكن على أحدٍ كلاًّ فإنك تزدادُ ذلاً, واضرب الأرضَ عوداً ويداً ولا تأسف لمالٍ كان فذهب, ولا تعجز عن الطلب لنصب ولا وصب فهذا حال اللازم, والنفوس الأبية يرون ما وصل إلى الإنسان كسباً أفضل مما وصل إليه إرثاً لأنه في الإرث في جدوى غيره وبالكسب مجداً إلى غيره والفرق بينهما في الفضل ظاهر.
وثال زياد لبعض الدهاقين: ما المروءة فيكم؟
قال: اجتناب الريب فإنه لا يقبل الشريف مريب, وإصلاح الرجل ماله فإنّه من مروءته وقيامه بجوائجه وحوائج أهله, فإنه لا يَنْبُلُ من يحتاج إلى أهله ولا من يحتاج أهله إلى غيره.
ومن هنا اختصرنا على الكثير من شروط المروءة في نفسها.
(انتهى) |
|
|